يقوم البروفيسور يوفال دور والدكتورة أناييس كلوشاندلر بالتحقيق فيما إذا كان تعطيل تحرير الحمض النووي الريبي في خلايا بيتا البنكرياسية يتسبب في تصرفها كما لو كانت مصابة بفيروس، مما يؤدي إلى استجابة مناعية تؤدي إلى تدمير الخلايا ومرض السكري.
يُعدّ داء السكري من النوع الأول أحد أشهر أمراض المناعة الذاتية، ولكن حتى اليوم لا يزال سؤال أساسي مطروحًا: ما هي الإشارة الأولى التي تبدأ هجوم الجهاز المناعي على خلايا بيتا؟ تقع هذه الخلايا في جزر لانغرهانس - وهي تجمعات من خلايا الغدد الصماء في البنكرياس - وتُنتج هرمون الأنسولين الذي يُنظّم مستويات السكر في الدم. عندما تُدمّر خلايا بيتا، ترتفع مستويات السكر في الدم ويتطور داء السكري.
لطالما طُرحت فرضيةٌ لعقودٍ طويلةٍ مفادها أن العدوى الفيروسية قد تُحفّز الإصابة بالمرض. وتدعم هذه الفرضية، من بين أمورٍ أخرى، حقيقة أن المراحل المبكرة من داء السكري من النوع الأول تتميز باستجابة الإنترفيرون، وهي استجابةٌ تُفعّل عندما تستشعر الخلايا وجود الفيروسات. ومع ذلك، لم يتم إثبات وجود علاقةٍ سببيةٍ بين العدوى الفيروسية وبداية المرض حتى الآن.
"ما الذي يحفز تطور المرض؟ هذا هو السؤال بالضبط"، يقول البروفيسور دور. "من الواضح جداً أن الخلايا تتصرف كما لو أنها مصابة بفيروس".
في دراسة أجراها البروفيسور يوفال دور والدكتورة أغنيس كلوسهاندلر من كلية الطب بالجامعة العبرية، بدعم من منحة من برنامج "المعالج" التابع للمؤسسة الوطنية للعلوم، تم فحص احتمال جديد: من الممكن ألا يكون المحفز الأولي للمرض فيروسًا خارجيًا، بل خللًا داخليًا في الآلية الجزيئية للخلية.
ما هو السؤال؟ ما هي الإشارة الأولى التي تبدأ الهجوم المناعي على خلايا بيتا؟
الاستجابة المضادة للفيروسات
في المراحل المبكرة من المرض، تُفعّل خلايا بيتا استجابة الإنترفيرون، وهي استجابة كلاسيكية مضادة للفيروسات. عادةً ما تُثار هذه الاستجابة عندما تكتشف الخلية الحمض النووي الريبي ثنائي السلسلة، وهو بصمة جزيئية ترتبط غالبًا بالعدوى الفيروسية. لكن ثمة احتمال آخر ظهر في مختبر دور وكلوشاندلر. ربما لا يكون مصدر الحمض النووي الريبي ثنائي السلسلة خارجيًا على الإطلاق، بل داخليًا؟ اتضح أن خلايا أجسامنا تُنتج العديد من جزيئات الحمض النووي الريبي "الخطيرة" التي تُنظم نفسها لتشكيل بنية ثنائية السلسلة. ولمنع تفعيل استجابة الإنترفيرون بشكل خاطئ بسبب وجود هذه الجزيئات، تخضع هذه الجزيئات لعملية "تعديل" تُغير تسلسلها وتُعطل البنية ثنائية السلسلة. تفترض فرضية البحث أنه في حالة حدوث خلل في عملية تعديل الحمض النووي الريبي، تتراكم جزيئات الحمض النووي الريبي ثنائية السلسلة الداخلية في الخلية، فتُطلق الخلية عن طريق الخطأ إنذارًا مضادًا للفيروسات. قد يؤدي هذا إلى سلسلة من الأحداث تُسبب التهابًا في جزر لانغرهانس في البنكرياس، حيث تهاجم الخلايا الالتهابية خلايا بيتا تحديدًا، مما يؤدي إلى موتها، وفي النهاية الإصابة بداء السكري. قد يبدو للوهلة الأولى أن هذه العملية ناتجة عن عدوى فيروسية، ولكن في الواقع لا يوجد فيروس متورط.
في كلتا الصورتين، يمكنك رؤية صور لجزر لانغرهانس في بنكرياس الفأر، تم التقاطها باستخدام مجهر متحد البؤر. في الصورة العلوية: GFP أخضر (علامة للخلايا بيتا المتحولة التي تفتقر إلى جين ADAR)، IBA1 أبيض (علامة للخلايا البلعمية)، CD3 أحمر (علامة للخلايا التائية)، DNA أزرق. في الصورة السفلية: إنسولين أخضر، غلوكاغون أبيض (خلايا ألفا)، لامينين أحمر (صبغة للأوعية الدموية في جزر لانغرهانس)، DNA أزرق.
لاختبار هذه الفكرة، طوّر الباحثون نموذجًا فأريًا قاموا فيه بتعديل الجين المسؤول عن آلية تحرير الحمض النووي الريبوزي (RNA) في خلايا بيتا وراثيًا. وكانت النتيجة واضحة: فقد نشّطت خلايا بيتا استجابة قوية للإنترفيرون، وظهر التهاب حول جزر لانغرهانس، وأصيبت الفئران بداء السكري. ووفقًا لهم، فقد استطاع النموذج، بشكلٍ مثير للدهشة، محاكاة عدد من السمات الرئيسية لداء السكري من النوع الأول لدى البشر. وكان فريق دور وكلوشاندلر أول من طرح هذا التوجه، ونشره قبل حوالي ثلاث سنوات في إحدى المجلات العلمية. خلية الأيض ومنذ ذلك الحين، بدأت مجموعات أخرى حول العالم في دراسة العلاقة بين تعديل الحمض النووي الريبي وخطر الإصابة بمرض السكري من النوع الأول.
تتميز المراحل المبكرة من داء السكري من النوع الأول باستجابة الإنترفيرون، وهي استجابة تحدث عندما تستشعر الخلايا وجود الفيروسات. ومع ذلك، لم يتم إثبات وجود علاقة سببية بين العدوى الفيروسية وبداية المرض حتى الآن.
دُمرت إحدى الجزر، بينما بقيت جزيرة مجاورة سليمة.
لكن ربما تكمن أهم مساهمة لهذا النموذج ليس فقط في اقتراح آلية جديدة، بل في أنه يسمح لنا بدراسة ظاهرة غامضة للغاية: تباين الالتهاب في جزر لانغرهانس البنكرياسية. ففي بنكرياس المرضى في المراحل المبكرة من المرض، يمكن أحيانًا رؤية جزيرة لانغرهانس (مجموعة صغيرة من الخلايا داخل البنكرياس) تتعرض لهجوم مناعي شديد، وبجوارها جزيرة أخرى تبدو سليمة تمامًا. يقول الدكتور كلوسهاندلر: "في نموذجنا أيضًا، في نفس مقطع البنكرياس، نرى جزيرة ملتهبة ذات استجابة قوية للإنترفيرون، وبجوارها جزيرة أخرى لا يحدث فيها شيء تقريبًا. في هذه الدراسة، نريد التركيز بشكل أساسي على تباين الالتهاب".
تتمثل الفرضية في أن تباين الالتهاب ينشأ من اختلافات بين جزر لانغرهانس في الاستجابة للإنترفيرون والنشاط الأيضي لخلايا بيتا، مما يخلق استجابة "كاملة أو معدومة" في كل جزيرة على حدة. ولاختبار هذه الفرضية، سيستخدم الباحثون فئرانًا معدلة وراثيًا، وعينات بشرية، وتقنيات علم الجينوم المكاني التي ستتيح دراسة الالتهاب بدقة مكانية عالية.
لماذا يكون المرض أكثر حدة عند الأطفال؟
يفتح هذا النموذج أيضًا الباب أمام أسئلة جوهرية أخرى. أحدها هو العلاقة بالعمر: يميل داء السكري من النوع الأول إلى أن يكون أكثر حدة لدى الأطفال، مقارنةً بظهوره الخفيف والبطيء لدى البالغين - وهي ظاهرة مميزة غير مفهومة. لاحظ الباحثون نمطًا مشابهًا في فئران النموذج. سؤال آخر هو: لماذا تتضرر خلايا بيتا، بينما تبقى خلايا ألفا المجاورة، المشابهة لها جدًا ولكنها تنتج الجلوكاجون، سليمة - سواء في داء السكري من النوع الأول لدى البشر أو في نموذج الفئران الذي طُوّر هنا؟ يقول دور: "للمرة الأولى، لدينا نظام تجريبي يسمح لنا باكتساب رؤى أعمق"، لأن النموذج يسمح لنا بدراسة ليس فقط بداية المرض، بل أيضًا ديناميكياته والاختلافات بين الخلايا والجزر المختلفة.
في نهاية المطاف، يُعدّ هذا بحثًا أساسيًا بالمعنى الأعمق للكلمة: ليس محاولةً فوريةً لتطوير علاج، بل جهدًا لفهم ما يحدث بالضبط داخل الخلية، وفي النسيج، وعلى مستوى التفاعل بينهما وبين الجهاز المناعي. إذا ثبتت صحة هذه الفرضية، فقد تُغيّر فهمنا لبداية المرض، وربما تُشير أيضًا إلى طرق مستقبلية لكبح الالتهاب، وحماية جزر لانغرهانس، أو تأخير ظهور داء السكري.
أسئلة وأجوبة مختصرة:
ما هو مرض السكري من النوع الأول؟
مرض السكري من النوع الأول هو مرض مناعي ذاتي يهاجم فيه الجهاز المناعي خلايا بيتا في البنكرياس، والتي تنتج الأنسولين.
ما الذي تختبره الدراسة الجديدة؟
تدرس الدراسة ما إذا كان تعطيل تحرير الحمض النووي الريبي في خلايا بيتا يتسبب في قيامها باستجابة مضادة للفيروسات غير صحيحة، كما لو كانت مصابة بفيروس.
لماذا يُعدّ البحث مهماً؟
إذا تبين أن هذه آلية مركزية في ظهور المرض، فقد يكون من الممكن في المستقبل تطوير طرق لتثبيط الالتهاب أو حماية بعض جزر البنكرياس.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: