وجد باحثون في جامعة حيفا أنه حتى في القرنين العاشر إلى الثامن قبل الميلاد، في ذروة الصراعات بين مملكة إسرائيل ومملكة آرام، استمر الرعاة في نقل قطعانهم بين مناطق الرعي المفتوحة، بما في ذلك المناطق النائية خارج نطاق حاصور.
حتى خلال فترات الصراعات العسكرية والتغيرات في الحدود التي تم تحديدها بين مملكة إسرائيل ومملكة آرام خلال العصر الحديدي الثاني، من القرن العاشر إلى القرن الثامن قبل الميلاد، استمرت الحياة اليومية للرعاة والمزارعين في المنطقة دون انقطاع تقريبًا، وفقًا لبحث جديد أجرته جامعة حيفا ونُشر في المجلة العلمية بلوس ONEأُجريت الدراسة في موقع تل حاصور في الجليل الأعلى، الذي كان بمثابة نقطة التقاء مباشرة بين المملكتين، وكشفت أن الحدود السياسية لم تكن تُعتبر حاجزًا محظورًا عبوره، بل ظلت قابلة للاختراق ومرنة. وقالت الدكتورة شلوميت باخار، من جامعة حيفا، إحدى محررات الدراسة، والتي تُشرف على أعمال التنقيب في تل حاصور: "تُظهر نتائجنا أن حركة القطعان لم تكن مُقيدة حتى خلال فترات التوتر العسكري الشديد. تُغير هذه البيانات ما كنا نعتقده عن الحدود القديمة، وتُبين أنها كانت قابلة للاختراق ومحلية بطبيعتها، مما سمح للناس العاديين بمواصلة حياتهم اليومية".
خلال القرنين العاشر والثامن قبل الميلاد، شهد مجتمع جنوب بلاد الشام تحولات سياسية واجتماعية جذرية. فقد ترسخت ممالك إقليمية، مثل مملكة إسرائيل ومملكة آرام دمشق، وتنازعت فيما بينها للسيطرة على المناطق، فأنشأت مؤسسات الحكم وحصّنت حدودها. وقد تناولت العديد من الدراسات سير عمل المدن، والعبادة، والصراعات بين النخب الحاكمة، إلا أن الآثار المباشرة للنزاعات والحدود على الحياة اليومية للسكان لا تزال مجهولة. في هذه الدراسة، سعى كل من البروفيسورة شيريل مكرافيتش، والدكتور باخر، والبروفيسور نمرود ماروم، من كلية الآثار والحضارات البحرية بجامعة حيفا، وطالبة الدكتوراه سارة مارتيني، من جامعة ييل، إلى بحث ما إذا كانت الحدود بين الممالك قد قيّدت حركة الرعاة ووصولهم إلى المراعي، التي كانت تُشكّل الركيزة الاقتصادية لوجود المجتمعات الريفية ودعم الحكومة.
شكلت منطقة حاصور في وادي الحولة نقطة احتكاك
لدراسة تأثير الحدود والصراعات على حركة الرعاة وقطعانهم، استخدم الباحثون أساليب تحليلية متقدمة مكّنتهم من تحديد أنماط الرعي والتنقلات الموسمية للحيوانات. جمعوا وحللوا أسنان قطعان الأغنام، وخاصة الأغنام والماعز، التي عُثر عليها في حفريات الجامعة العبرية في تل حاصور بوادي الحولة، وهي منطقة مثّلت نقطة خلاف مباشرة بين مملكة إسرائيل ومملكة آرام. وباستخدام تحليل النظائر المستقرة في أسنان الماعز والأغنام، بما في ذلك قياسات العناصر الكيميائية: السترونتيوم والأكسجين والكربون، تمكّن الباحثون من إعادة بناء أماكن رعي القطعان على مدار العام. وقد مكّنت هذه الطريقة من تحديد ما إذا كانت الحيوانات تقتصر على مناطق الرعي القريبة من المستوطنة أم أنها تهاجر أيضًا إلى مناطق أبعد، مثل هضبة الجولان، ما ساعد على فهم مدى نفاذية الحدود السياسية في الواقع وكيف أثرت فعليًا على الحياة اليومية للمجتمعات الريفية.
تشير نتائج الدراسة إلى أن حركة الرعاة وقطعانهم لم تكن مقيدة حتى خلال فترات التوتر العسكري بين مملكة إسرائيل ومملكة آرام. وأظهرت البيانات أن الحيوانات كانت ترعى في الحقول والمراعي القريبة من تل حاصور وفي مناطق أبعد، بما في ذلك منطقة هضبة الجولان، التي كانت تُعتبر آنذاك نقطة خلاف بين المملكتين. ووفقًا للنتائج، ظلت المراعي مفتوحة ومتاحة، واستمرت الحياة الاقتصادية في المناطق الحدودية بشكل شبه متواصل. وخلص البروفيسور ماكريفيتش إلى القول: "النتيجة المدهشة هي أنه على الرغم من الحروب والصراعات بين النخب، تمكن الرعاة والمزارعون في المنطقة من مواصلة الترحال مع قطعانهم والحفاظ على حياة يومية شبه طبيعية. وهذا يدل على وجود اتفاقيات محلية، وروابط بين المجتمعات، وتعاون لا يظهر دائمًا في المصادر التاريخية، ولكنه ما سمح للناس العاديين بالعيش حتى عندما تغيرت الحدود السياسية من حولهم".
يعتقد الباحثون أن نتائج الدراسة توفر منظورًا جديدًا حول كيفية عمل الحدود القديمة في الواقع، ويمكنها أيضًا أن تسلط الضوء على الأسئلة المعاصرة حول كيفية عمل الحدود في المناطق الريفية.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: