طوّر باحثون في معهد التخنيون جسيمات نانوية تحاكي البلاعم وتؤثر على بيئة الورم بدلاً من حمل دواء. وفي تجارب أجريت على مزارع الخلايا والفئران، تمكنوا من تثبيط أورام سرطان الثدي ثلاثي السلبية وتغيير نشاط الخلايا المناعية المحيطة بها.
قد تُحدث تقنية مبتكرة طُوّرت في معهد التخنيون تغييرًا جذريًا في نموذج علاج السرطان. فقد طوّر باحثون في التخنيون جسيمات نانوية متطورة تُثبّط بنجاح أورام سرطان الثدي العدوانية، دون إطلاق أي جزيء دوائي. تتفاعل هذه الجسيمات بذكاء مع الجهاز المناعي، وتُغيّر قواعد اللعبة من خلال رسالة بيولوجية تُرسلها إلى بيئة الورم وخلايا الجهاز المناعي.
الدراسة المنشورة في المجلة العلمية المرموقة أكس نانو بقيادة طالب الدكتوراه أوفري فيزنبليت، وبمساعدة طالب الدكتوراه روان ماهاجنا، وتحت إشراف الدكتور أساف سينجر - رئيس مختبر الهندسة النانوية المستوحاة من الطبيعة وتطوير التقنيات الطبية في كلية ولفسون للهندسة الكيميائية.
يُعتبر سرطان الثدي ثلاثي السلبية من أكثر أنواع السرطان شراسةً وصعوبةً في العلاج، إذ يتميز بانتشاره السريع ومقاومته العالية للعلاجات التقليدية. ويعتمد النموذج الجديد الذي قدمه باحثو التخنيون على نهج ثوري: فبدلاً من مهاجمة الخلايا السرطانية نفسها، يتم التأثير على البيئة التي تعيش وتنمو فيها.
تستقطب الخلايا السرطانية خلايا الجهاز المناعي إلى جانبها.
تمتلك الخلايا السرطانية استراتيجيات متنوعة للتهرب من الجهاز المناعي الذي من المفترض أن يتعرف عليها ويدمرها. إحدى أهم هذه الاستراتيجيات هي استقطاب خلايا الجهاز المناعي إلى جانبها. في هذه الحالات، يتم "اختطاف" خلايا الدم البيضاء المعروفة باسم البلاعم - والتي من المفترض أن تحمي الجسم - من قبل الورم، مما يدعم نموه ويمنع الجهاز المناعي من مهاجمته بفعالية.
تُسمى الجسيمات النانوية التي طورها باحثو معهد التخنيون بـ MPsomes وتعمل كطعم بيولوجي: فهي تتنافس مع خلايا الجهاز المناعي على مواقع الارتباط في بيئة الورم وتمنع مسار الخلايا الضارة إلى الورم.
تم اختبار الجسيمات في مزارع الخلايا ونماذج الفئران قبل السريرية المصابة بسرطان الثدي ثلاثي السلبية. أظهرت نتائج التجارب أن الجسيمات تتراكم في بيئة الورم بتركيزات عالية للغاية، وتثبط نموه بكفاءة لا تقل عن كفاءة العلاجات الحالية. ومن المزايا الأخرى التي أكد عليها الباحثون القدرة الإنتاجية العالية: إذ تسمح العملية المطورة في معهد التخنيون بتحضير ما يقارب 20 مل من الجسيمات النانوية في الدقيقة (حوالي 1.2 لتر في الساعة)! علاوة على ذلك، تتكون قاعدة الجسيمات من مواد معترف بها عمومًا بأنها آمنة للاستخدام من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، وهو ما قد يُسهّل الانتقال إلى التجارب السريرية، ومن ثم إلى الاستخدام الطبي.
كانت النتائج مفاجئة بشكل خاص: ففي التجارب التي أجريت على الفئران، لم تتراكم الجسيمات في الورم فحسب، بل قامت أيضًا بتثبيط نموه بطريقة مماثلة لتأثير العلاجات المناعية المتقدمة المعتمدة حاليًا للاستخدام السريري - وكل ذلك بدون أدوية، وبدون علاج كيميائي، وبدون أجسام مضادة.
الجانب المنعطف
يوضح الباحثون: "هذا تحول مفاهيمي. فالفعالية العلاجية لا تنبع من إطلاق مادة فعالة، بل من المعلومات البيولوجية المشفرة على سطح الجسيمات النانوية". بعبارة أخرى، التفاعل مع الجهاز المناعي هو ما يحفز التأثير العلاجي.
إضافةً إلى تثبيط الورم، أظهر الباحثون أن الجسيمات تُغير تركيبة الخلايا المناعية في بيئة السرطان: حيث يقل عدد الخلايا التي تُحفز نمو الورم ويزداد عدد الخلايا التي تُهاجمه. كما لم تُلاحظ أي علامات سُمية في الأعضاء الحيوية.
لا يزال البحث في مرحلة ما قبل السريرية، وقد اقتصرت التجارب على نماذج الفئران. ومع ذلك، يأمل الباحثون أن يُتاح لهم في المستقبل الانتقال إلى التجارب السريرية، وربما يفتح ذلك الباب أمام جيل جديد من علاجات السرطان، علاجات لا تعتمد على الأدوية إطلاقاً.
الدكتور عساف سينجرتخرج بدرجة البكالوريوس من كلية الهندسة الطبية الحيوية في معهد التخنيون، وحصل على درجة الدكتوراه من كلية ولفسون للهندسة الكيميائية. عاد إلى كلية ولفسون للهندسة الكيميائية كعضو هيئة تدريس في أكتوبر 2021 بعد حصوله على زمالة ما بعد الدكتوراه في مستشفى هيوستن ميثوديست في تكساس. أوفري فيزنبليتانضمت أيضًا، وهي خريجة كلية الهندسة الطبية الحيوية في معهد التخنيون، إلى مختبر سينجر مباشرة بعد إكمال درجة البكالوريوس، والمقال الحالي هو جزء من أطروحة الدكتوراه الخاصة بها.
ويختتم الدكتور سينغر قائلاً: "على الرغم من أننا ركزنا هنا على نوع معين من السرطان، إلا أن هذا يمثل اختراقاً نموذجياً قد يغير عالم الطب ويؤدي إلى تطوير منصات علاجية جديدة أكثر فعالية وأماناً، وأنا متفائل بأننا سنجد طريقة لتطبيق هذا الاختراع في العيادات".
تم دعم البحث من قبل مؤسسة أبحاث السرطان الإسرائيلية (ICRF)، والمؤسسة الوطنية للعلوم (ISF)، والاتحاد الأوروبي (منحة ERC-Starting Grant)، ووزارة الابتكار والعلوم والتكنولوجيا (MOST)، وجمعية السرطان الإسرائيلية، ومعهد راسل بيري لتقنية النانو في التخنيون، بالإضافة إلى زمالات ألون وسيدن في تقنية النانو والإلكترونيات الضوئية.
للمادة العلمية انقر هنا
أسئلة وأجوبة قصيرة
ما الذي طوره باحثو التخنيون؟
الجسيمات النانوية المسماة MPsomes، والتي تم تصميمها للتأثير على بيئة الورم وخلايا الجهاز المناعي دون حمل دواء فعال.
ما نوع السرطان الذي تم اختبار هذه التقنية عليه؟
تم اختبار الجسيمات في نماذج من سرطان الثدي ثلاثي السلبية، والذي يعتبر نوعًا عدوانيًا ويصعب علاجه.
هل هذا علاج تم تجربته بالفعل على البشر؟
لا. البحث في المرحلة ما قبل السريرية وقد تم اختباره في مزارع الخلايا والفئران فقط.
ما هو الابتكار الرئيسي في البحث؟
لا تعمل الجسيمات عن طريق إطلاق دواء، بل عن طريق نقل رسالة بيولوجية على سطحها، مما يغير استجابة الجهاز المناعي في بيئة الورم.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:
תגובה אחת
مثير للاهتمام للغاية، خاصة وأن هذا النهج يبدو مناسبًا جدًا للتحسينات التي تتم بواسطة الذكاء الاصطناعي.