حللت دراسة نُشرت في مجلة ساينس 11.8 مليون نقطة من نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) لأكثر من 4,500 حيوان. وخلصت الدراسة إلى أن أكثر من 65% من الأنواع غيرت أنماط حركتها استجابةً لوجود الإنسان.
لا تقتصر استجابة الحياة البرية على تدمير الموائل أو التوسع العمراني أو الزراعة فحسب، بل تُظهر أبحاث جديدة أن مجرد وجود البشر في منطقة ما يُغير أيضاً طريقة استخدام الحيوانات للمساحة. ففي بعض الحالات، تُقلل الحيوانات من نطاق حركتها، وفي حالات أخرى، تُوسعه، على الأرجح لتجنب مواجهة البشر أو لاستغلال مصادر الغذاء المرتبطة بهم.
نُشرت الدراسة في مجلة ساينس، وقادها باحثون من مركز ييل للتنوع البيولوجي والتغير العالمي. تعاون فريق الباحثين مع أكثر من 50 مؤسسة أكاديمية وهيئة حكومية في الولايات المتحدة وخارجها. وعلى مدار ست سنوات، قاموا بتحليل تحركات آلاف الحيوانات. وكان الهدف هو الفصل بين عاملين يُدرسان عادةً معًا: التعديل المادي للبيئة من قِبل الإنسان، والوجود المباشر للبشر في بيئتها الطبيعية.
ملايين نقاط نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وبيانات الهاتف المحمول
تتبّع الباحثون 37 نوعًا من الحيوانات في الولايات المتحدة. شملت القائمة 22 نوعًا من الطيور و15 نوعًا من الثدييات. من بين الثدييات: الأيائل، والذئاب، والقيوط، والراكون، والظربان، وبعض أنواع القطط الكبيرة. أما الطيور، فشملت طيورًا كبيرة مثل النسور، والصقور، والبط، والكركي، واللقالق.
تم جمع ما يقارب 11.8 مليون نقطة تحديد مواقع من أكثر من 4,500 حيوان. ودمج الباحثون هذه البيانات مع بيانات الهواتف المحمولة، التي استُخدمت لتقدير وجود البشر في مناطق مختلفة. كما أضافوا بيانات الأقمار الصناعية حول التغيرات في البيئة، مثل التوسع الحضري والزراعة وتغيرات استخدام الأراضي.
أتاحت فترة جائحة كوفيد-19 للباحثين فرصة نادرة. فقد أدت عمليات الإغلاق إلى تغيير أنماط حركة البشر بشكل حاد بين عامي 2019 و2020. وقد سمح هذا للباحثين بدراسة ما يحدث عندما يتغير الوجود البشري في فترة زمنية قصيرة، دون أن يتغير المشهد الطبيعي بأكمله بنفس السرعة.
قالت روث أوليفر، الباحثة السابقة في مرحلة ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل والأستاذة الحالية بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، إنه حتى الآن كان من الصعب قياس تأثير الوجود البشري على الحياة البرية. وأضافت أن توفر بيانات الأجهزة المحمولة قد أتاح لأول مرة إمكانية دراسة هذا التأثير على نطاق واسع.
لا تتفاعل جميع الأنواع بنفس الطريقة.
أظهرت نتائج الدراسة أن أكثر من 65% من الأنواع غيّرت سلوكها استجابةً لوجود الإنسان. وكان هذا التأثير قويًا بشكل خاص في المناطق الطبيعية والأقل تطورًا. بعبارة أخرى، في الأماكن التي تبدو فيها الطبيعة محفوظة نسبيًا، قد يؤدي مجرد دخول الإنسان إلى المنطقة إلى تغيير سلوك الحيوانات.
لم تكن الاستجابات متجانسة. فقد قلّصت العديد من الأنواع نطاق حركتها، ربما لتقليل احتمالية مواجهة البشر. في المقابل، وسّعت أنواع أخرى نطاق حركتها. فعلى سبيل المثال، تحركت الذئاب الرمادية عبر مساحات أوسع، ويُرجّح الباحثون أنها فعلت ذلك لتجنب المناطق التي يتواجد فيها البشر. كما وسّعت الغربان نطاق حركتها، على الأرجح لأنها تُجيد استغلال مصادر الغذاء المرتبطة بالنشاط البشري. أما ذئاب البراري، فقد مالت إلى تقليص نطاق حركتها.
كما كشفت الدراسة عن مرونة لدى الحيوانات الفردية، حيث استطاعت تغيير أنماط سلوكها من عام لآخر. وهذا يدل على أنها لا تستجيب فقط للظروف الثابتة في البيئة، بل قادرة أيضاً على التكيف مع تغيرات أنماط النشاط البشري.
معنى جديد لحماية الطبيعة
قال البروفيسور والتر جيتز، مدير مركز ييل للتنوع البيولوجي والتغير العالمي، إن فقدان الموائل لا يزال عاملاً رئيسياً في فقدان التنوع البيولوجيومع ذلك، تُظهر الدراسة أن استخدام الإنسان المباشر للمناظر الطبيعية يؤثر أيضاً على الحيوانات. ويقول إن الحيوانات قد تُغير سلوكها بطرق تُفاقم أو تُخفف من أثر فقدان الموائل.
والخلاصة العملية هي أنمحادثة طبيعية لا يمكن الاكتفاء بحماية المساحات المفتوحة فحسب، بل يجب أيضاً معالجة مسألة توقيت دخول الناس إلى المنطقة، ومدى هذا الدخول، وكيفية دخولهم. على سبيل المثال، قد يكون من الضروري تقييد الحركة خلال فترات حساسة، أو الحد من دخول المركبات إلى مناطق معينة، أو إدارة الأنشطة الترفيهية في المحميات الطبيعية بشكل أكثر دقة.
قال سكوت جانكو، الباحث ما بعد الدكتوراه في جامعة ييل والباحث الحالي في معهد بيولوجيا الحفظ التابع لحديقة الحيوان الوطنية في مؤسسة سميثسونيان، إن التقنيات المستخدمة في الدراسة تتيح لنا رؤية مدى تنوع استجابات الحياة البرية للنشاط البشري بتفصيل غير مسبوق. وأضاف أن هذا هو السبب في ضرورة توجيه استراتيجيات الحفظ نحو أهداف محددة، إذ لن يكون الحل الواحد الذي يناسب جميع الأنواع والمناطق كافياً.
تُبرز الدراسة أن البشر لا يُغيرون الطبيعة فقط عند بناء أو رصف أو زراعة الأراضي، بل إن المشي على درب، أو قيادة سيارة دفع رباعي، أو ممارسة الأنشطة الترفيهية في منطقة طبيعية، قد يؤثر أيضاً على الحيوانات. وفي عصر يتزايد فيه الضغط البشري على المساحات المفتوحة، تكتسب هذه الحقيقة أهمية بالغة، إذ قد تُسهم في إيجاد توازن أدق بين الوجود البشري في الطبيعة وضرورة حماية الحيوانات التي تعيش فيها.
أسئلة وأجوبة سريعة:
ما الذي تناولته الدراسة الجديدة؟
تناولت الدراسة كيف يؤثر وجود البشر وتغيرات المناظر الطبيعية على حركة الطيور والثدييات في الولايات المتحدة.
كم عدد الحيوانات التي شملتها الدراسة؟
قام الباحثون بتحليل ما يقرب من 11.8 مليون نقطة GPS من أكثر من 4,500 حيوان.
ما هي النتيجة الرئيسية؟
أكثر من 65% من الأنواع غيرت سلوكها استجابة لوجود الإنسان، حتى عندما لم يتغير الموطن نفسه.
للمقال العلمي: DOI 10.1126/science.adq3396
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: