يُخلّ التلوث الضوئي بالإيقاعات اليومية للصراصير ويهدد تكاثرها

وجدت دراسة أجرتها جامعة تل أبيب والجامعة المفتوحة أن الإضاءة الاصطناعية في الليل تجعل الصراصير خارجة عن التزامن مع دورات الليل والنهار، وتعطل تغريد الصراصير وحركتها، وقد تضر بالقدرة الإنجابية للمجموعات البرية.

لعبة الكريكيت. رسم توضيحي: depositphotos.com
لعبة الكريكيت. الرسم التوضيحي: موقع Depositphotos.com

أكدت دراسة مشتركة بين جامعة تل أبيب والجامعة المفتوحة نتائج دراسة سابقة تناولت آثار التلوث الضوئي على الحيوانات الليلية في ظروف مخبرية، وخلصت إلى أن الإضاءة الاصطناعية تُخلّ بدورة حياة الصراصير في الطبيعة. مع ذلك، تُقيّد الدراسة الجديدة هذه النتائج قليلاً، مشيرةً إلى أن الضرر في الطبيعة أقلّ حدةً مقارنةً بالظروف المخبرية.

وكان هناك ظلام وكان هناك نور.

يُعدّ صوت صرصور الليل نداءً يستخدمه الذكر لجذب الإناث للتزاوج. ولذلك، يوضح الباحثون أن تعطيل هذا الصوت الطبيعي قد يضرّ بالتكاثر، بل ويزيد من خطر افتراس الصراصير، مما يُهدد وجودها. تُعدّ هذه الدراسة استكمالًا لدراسة أولية أُجريت قبل ثلاث سنوات، والتي وجدت أن التعرّض للتلوث الضوئي في ظروف المختبر يُؤثر سلبًا على أوقات تغريد الصراصير، لدرجة تصل إلى حالة تُعرف باسم "التغريد الحر"، حيث يُغرّد كل صرصور متى شاء، وفقًا لإيقاعه الداخلي، وليس بالضرورة في الليل. وفي هذه الدراسة الجديدة، سعى الباحثون إلى دراسة تأثير الإضاءة على الصراصير خارج المختبر، في حديقة حيوان جامعة تل أبيب، في ظروف تُحاكي الطبيعة قدر الإمكان.

وقد قاد الدراسة البروفيسور أمير إيلي والدكتورة كيرين ليفي. من مدرسة علم الحيوان في كلية جورج س. وايز لعلوم الحياةوالبروفيسورة أنات بارنيا من قسم العلوم الطبيعية في الجامعة المفتوحة. كما شارك في الدراسة يواف ويغيرزين من مختبر البروفيسور إيلي، وستان موريف من مختبر البروفيسورة بارنيا. نُشرت المقالة في مجلة "علوم البيئة الشاملة".

"إن التمييز بين الليل والنهار، بين النور والظلام، هو أحد أسس الحياة على الأرض. لكن البشر، وهم حيوانات نهارية، يخلون بالنظام الطبيعي من خلال الإضاءة الاصطناعية ليلاً. غالباً ما تؤثر هذه الإضاءة سلباً على الحيوانات في البيئة، مما يعطل السلوكيات الطبيعية التي تطورت على مدى ملايين السنين من التطور"، كما يوضح الدكتور ليفي.

"تساءلنا عما إذا كان من الممكن أن تكون ظروف المختبر نفسها قد تسببت في إرباك الصراصير. فربما في الطبيعة، تُغرّد الصراصير عندما تسمع أصوات أصدقائها، لكنها في المختبر كانت معزولة ولم تسمعهم؟ ربما في الطبيعة، تُميّز الصراصير بين الليل والنهار من خلال تغيرات درجة الحرارة، بينما في المختبر سادت درجة حرارة ثابتة على مدار 24 ساعة؟ افترضنا أن الصراصير في الظروف الطبيعية تستفيد من نوع من التعويض غير الموجود في ظروف المختبر، شيء في البيئة يساعدها على التمييز بين الليل والنهار رغم الإضاءة الاصطناعية. ولاختبار ذلك، أجرينا تجربة شبه ميدانية، أي في ظروف أقرب ما يمكن إلى الظروف الطبيعية"، يوضح البروفيسور إيلي.

حوض الحيوانات في حديقة الحيوانات ليلاً ونهاراً
حوض الحيوانات في حديقة الحيوانات ليلاً ونهاراً

أقل إزعاجًا ولكنه لا يزال مزعجًا

في إطار الدراسة، قام الباحثون بتعليق ستة أحواض زجاجية (حاويات شبيهة بأحواض الأسماك مخصصة للحيوانات البرية) في أنحاء حديقة حيوان جامعة تل أبيب، تحتوي على تربة، وغذاء، ومنطقة مظللة، ومقياس حرارة. كانت الأحواض مغلقة بشبكة معدنية في الأعلى، وتسمح بمرور الضوء والهواء، مما يحافظ على درجة الحرارة والإضاءة داخلها طبيعية. في كل حوض، كان يوجد ذكر واحد من صرصور الحقل، حيث تم تسجيل سلوكه لمدة أسبوعين، ثم استُبدل بآخر. إجمالاً، استمرت التجربة عامين، من أبريل إلى نوفمبر، أي خلال فصول الربيع والصيف والخريف، وشارك فيها حوالي 120 صرصور حقل.

كشفت نتائج الدراسة أن تأثير التلوث الضوئي بالغ الأهمية حتى في الطبيعة: فكلما زادت شدة الإضاءة، زاد اضطراب إحساس الصراصير بالوقت. ومع ذلك، كان هذا الاضطراب أقل حدة مقارنةً بظروف المختبر. فعلى سبيل المثال، في تجربة أُجريت في المختبر، فقد 80% من الصراصير التزامن مع أوقات الليل والنهار حتى في ظل إضاءة خافتة نسبيًا. في المقابل، في الطبيعة، لم يُلاحظ فقدان التزامن لدى 80% من الصراصير إلا في ظل إضاءة أقوى بكثير.

"هذا اكتشاف مهم، يشير إلى وجود عوامل في الطبيعة تعمل على تخفيف وموازنة تأثير التلوث الضوئي، على الأقل عند شدة الإضاءة المنخفضة. وقد كشف اختبار محدد أن درجة الحرارة ليس لها تأثير، لكننا ما زلنا لا نعرف ما هو العامل الموازن"، كما يقول الدكتور ليفي.

في دراستنا، أظهرنا أن الإضاءة الاصطناعية ليلاً تُخلّ بسلوك الصراصير وتجعلها تُغرّد نهاراً، ليس فقط في المختبر، بل أيضاً في الظروف الطبيعية. وتثير هذه النتائج تساؤلات عديدة، منها: ماذا يحدث للصراصير التي تُغرّد نهاراً؟ هل تصبح أكثر عرضةً للمفترسات لغياب حماية الظلام؟ وكيف تستجيب الإناث للذكر الذي يُغرّد نهاراً؟ هل تستجيب لنداء التزاوج؟ هذه التساؤلات وغيرها، التي تُشكّل مادةً لمزيد من البحث، تُشير إلى أن تعطيل أوقات التغرّد نتيجةً للإضاءة الاصطناعية قد يُضرّ بتكاثر الصراصير وبقائها،" يقول البروفيسور إيلي، مُختتماً حديثه: "من المعروف أيضاً من العديد من الدراسات أن التلوث الضوئي يُضرّ بمجموعة واسعة من الحشرات والحيوانات الأخرى. لذلك، نناشد الجمهور إطفاء الأنوار ليلاً حيث لا حاجة لها - في الحديقة أو الشرفة، في المنزل، في العمل، وفي الشارع. بهذه الطريقة فقط يُمكننا حماية الحيوانات التي تعيش من حولنا والتي تحتاج إلى ساعات الظلام."

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: