اكتشف الباحثون أن بعض الأشكال السوداء في كهف بونت دو غوم رُسمت بالفحم وليس بأكاسيد المنغنيز فقط. وقد مكّنت عينات صغيرة من تحديد تاريخ رسمة لثور البيسون وأجزاء من شكل يُعرف باسم "القناع" بشكل مباشر.

لأكثر من قرن من الزمان، حاول الباحثون تحديد متى تم رسم هذه الأشكال الرائعة على جدران الكهف. بونت دو غوم في جنوب غرب فرنسا. تمكن فريق بحثي الآن من تحديد تاريخ بعض اللوحات بشكل مباشر، بعد اكتشاف أن الطلاء الأسود المستخدم في إنشائها يحتوي على الفحم.
يُغيّر هذا الاكتشاف افتراضًا سائدًا منذ زمن طويل. حتى الآن، كان الباحثون يعتقدون أن الرسومات السوداء في كهوف آزور دوردوني تتكون هذه المعادن من أكاسيد المنغنيز والحديد فقط. ولا تحتوي على الكربون، لذا لا يمكن تحديد عمرها باستخدام طريقة الكربون-14.
مع ذلك، لم يتم اختبار فرضية خلو اللوحات من المواد العضوية بشكل منهجي. لذا قرر الباحثون فحص التركيب الكيميائي للدهانات نفسها.
ونشرت النتائج في المجلة وقائع الاكاديمية الوطنية للعلوم.
كهف مركزي في دراسة فنون ما قبل التاريخ
يقع كهف بونت دو غوم بالقرب من بلدة ليه إيز في منطقة دوردوني. وهو مشهور بمئات الأشكال الحيوانية والرموز الهندسية التي يحتويها. العصر الحجري القديم القمة.
تزدان جدران الكهف برسومات لحيوانات البيسون والخيول والأيائل والماموث، وغيرها. وقد تم ابتكار العديد من هذه الرسومات من خلال مزيج من النقش والطلاء والبنية الطبيعية لجدار الصخر.
اكتُشف الكهف علمياً في أوائل القرن العشرين، وخضع للدراسة مرات عديدة منذ ذلك الحين. ومع ذلك، لا يزال العمر الدقيق لمعظم الرسومات غير معروف.
اعتمد الباحثون بشكل أساسي على أسلوب الرسم، والسياق الأثري، والمقارنات مع الأعمال المكتشفة في مواقع أخرى. يمكن لهذه الأساليب أن توفر تقديرًا تقريبيًا، لكنها لا تسمح لنا دائمًا بتحديد وقت رسم شخصية معينة بدقة.
البحث عن الفحم في الخطوط السوداء
قام فريق البحث بفحص شكلين أسودين في الكهف. أحدهما رسم لثور البيسون. والآخر شكل يُعرف باسم "القناع"، والذي يمكن تفسيره على أنه وجه بشري أو وجه حيوان.
استخدم الباحثون مطيافية رامان المجهرية والتصوير الطيفي الفائقتسمح كلتا الطريقتين بتحديد المواد من خلال كيفية تفاعلها مع الضوء، دون التسبب في أضرار جسيمة للوحة.
يجمع التصوير الطيفي الفائق المعلومات عبر نطاق واسع من الأطوال الموجية، مما يجعل من الممكن التمييز بين الطلاء الأسود القائم على أكسيد المنغنيز والطلاء الأسود المشتق من الفحم.
أظهرت الاختبارات أن بعض الخطوط السوداء تحتوي على فحم. وقد ظهر الفحم بشكل متسق على طول الخطوط المرسومة، لذا استبعد الباحثون احتمال أن يكون تلوثًا عرضيًا، أو كتابة متأخرة، أو رواسب تركها زوار الكهف.
يكاد يكون من المستحيل رؤية العينات
بعد تحديد نوع الفحم، حصل الباحثون على إذن استثنائي لأخذ عينات صغيرة جدًا من اللوحات. كانت العينات صغيرة جدًا، وذلك لتقليل الضرر الذي قد يلحق بالأعمال الفنية.
شكلت كمية المواد المتاحة تحدياً. التأريخ بالكربون-14 يتطلب ذلك عزل وقياس النظائر المتبقية في المادة العضوية. وكلما صغر حجم العينة، زادت احتمالية التلوث وأخطاء القياس.
على الرغم من الصعوبة، تمكن الباحثون من تحديد عمر العينات باستخدام مطياف الكتلة المعجل.
يعود تاريخ لوحة البيسون إلى ما بين 13,461 و 13,162 سنة قبل عصرنا.
يشير مصطلح "قبل عصرنا" في التأريخ بالكربون-14 إلى عام 1950. أي أن رسم البيسون تم قبل حوالي 13 عام.
شخصية يتم إنشاؤها أو تعديلها على عدة مراحل
أما نتائج استخدام خاصية "القناع" فكانت أكثر تعقيداً.
تم تأريخ المادة المأخوذة من الشفة العليا إلى ما بين 15,981 و15,121 سنة قبل الميلاد (وفقًا للمعايرة). أما الشفة السفلى، فقد تم تأريخها إلى ما بين 15,297 و14,246 سنة قبل الميلاد (وفقًا للمعايرة).
في المقابل، كانت العينة المأخوذة من منطقة العين اليسرى أحدث بكثير، حيث يعود تاريخها إلى ما بين 8,993 و 8,590 سنة مضت.
تؤكد معظم التواريخ أن اللوحات رُسمت في العصر الحجري القديم الأعلى. إلا أن التاريخ الأحدث لمنطقة العين يختلف عن هذه الصورة، وقد يعكس إضافة لاحقة، أو تعديلاً على اللوحة، أو تلوثاً، أو عملية أخرى. يلزم إجراء المزيد من الاختبارات لتفسيرها.
تُظهر النتائج أنه ليس من الضروري افتراض أن جميع أجزاء الشكل المعقد رُسمت في الوقت نفسه. فمن المحتمل أن جدران الكهف استُخدمت من قِبل أناس في أوقات مختلفة، وأن الأشكال الموجودة قد عُدّلت أو أُضيفت إليها تفاصيل.
لا يمكن تحديد تاريخ كل لوحة.
لا تسمح الطريقة الجديدة بتحديد تاريخ كل رسم كهفي بشكل مباشر، فهي مناسبة فقط للدهانات التي تحتوي على مواد عضوية، مثل الفحم.
اللوحات المصنوعة بالكامل من أكاسيد المعادن لا تحتوي على الكربون اللازم للاختبار، لذلك لا يزال يتعين على الباحثين استخدام طرق غير مباشرة.
مع ذلك، يتيح التصوير الطيفي الفائق مسح مساحات واسعة وتحديد المعالم التي تحتوي على الفحم مسبقاً. وهذا يسمح باختيار دقيق للمواقع المناسبة لأخذ العينات وتجنب إزالة مواد غير ضرورية.
يمكن تطبيق هذا النهج أيضاً في كهوف أخرى في منطقة دوردوني. تضم المنطقة مئات الكهوف والملاجئ الصخرية التي تحتوي على آثار تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، بما في ذلك كهف لاسكو الشهير.
هذا لا يضمن إمكانية تحديد تاريخ لوحات لاسكو نفسها. أولاً، سيكون من الضروري التحقق مما إذا كانت ألوانها تحتوي على الكمية المناسبة من الفحم.
بناء خط زمني لفن الكهوف
قد يسمح التأريخ المباشر لعدد أكبر من اللوحات للباحثين ببناء جدول زمني مفصل للفن ما قبل التاريخ في المنطقة.
سيُمكّننا هذا من دراسة الأساليب الفنية التي ظهرت معًا، ومدة استخدام الكهوف، وما إذا كانت بعض الشخصيات قد أُضيفت إلى لوحات سابقة. وقد تُساعد التواريخ أيضًا في ربط الفن بالثقافات الأثرية والتغيرات في التجمعات السكانية البشرية.
تُظهر الدراسة كيف يمكن لدمج تقنيات التصوير غير الجراحية مع عينة صغيرة أن يحل مسائل كان من المستحيل دراستها سابقًا. كان الفحم موجودًا على جدران الكهف طوال الوقت. يكمن الابتكار في تحديده وإثبات إمكانية استخلاص تاريخ منه.
שאלות ותשובות
ما هو الابتكار الرئيسي في البحث؟
هذا هو أول تأريخ مباشر بالكربون-14 للوحات في كهف بونت دو غوم، وواحدة من الدراسات الأولى التي تؤرخ بشكل مباشر فن الكهوف في منطقة دوردوني.
لماذا لم تؤرخ اللوحات في وقت سابق؟
افترض الباحثون أن اللون الأسود يتكون حصراً من أكاسيد المنغنيز. ولأن هذه المعادن لا تحتوي على الكربون، فلا يمكن تحديد عمرها باستخدام طريقة الكربون-14.
كيف اكتشفوا أن الطلاء يحتوي على الفحم؟
استخدم الفريق تقنية قياس الطيف المجهري رامان والتصوير الطيفي الفائق، وهي طرق تسمح لهم بالتمييز بين أنواع مختلفة من الأصباغ قبل أخذ عينات من الجدار.
كم عمر لوحة البيسون؟
يعود تاريخها إلى ما بين 13,461 و 13,162 سنة معايرة قبل عصرنا.
لماذا حصلت أجزاء مختلفة من القناع على تواريخ مختلفة؟
ربما تم إنشاء الشكل أو تعديله على مراحل متعددة. ومع ذلك، يلزم إجراء المزيد من البحث لتحديد ما إذا كان التاريخ المتأخر يعكس إضافة لاحقة أو تلوثًا أو عملية أخرى.
هل يمكن استخدام هذه الطريقة أيضاً في كهف لاسكو؟
هذا ممكن، ولكن فقط إذا وُجد أن بعض اللوحات هناك تحتوي على الفحم. أما اللوحات المصنوعة من الدهانات المعدنية فقط فلا تصلح للتأريخ بالكربون المشع (الكربون-14).
المقال العلمي
المزيد عن هذا الموضوع على موقع العلوم
- يكشف الحمض النووي القديم: أن هذا الأمر تسبب في مقتل الصيادين وجامعي الثمار في سيبيريا منذ 5,500 عام
- جائزة دان ديفيد 2026: تسعة باحثين يفوزون بأكبر جائزة تاريخية في العالم
- أدلة جديدة: استخدم أسلاف الإنسان النار في الكهوف منذ 1.79 مليون سنة
- قد يكشف أقدم تاريخ لحضارة المايا كيف حوّل الحكام الزمن إلى قوة.
- حل اللغز العلمي: لماذا لا توجد لوحات كهفية في إسرائيل؟