تشير تحليلات حصى الطين التي جمعها مسبار بيرسيفيرانس من فوهة جيزيرو إلى أن أجزاءً على الأقل من المريخ في بداياته شهدت ظروفًا مناخية معتدلة ورطبة ومستمرة، وليس مجرد فترات ذوبان قصيرة في بيئة متجمدة. وإذا صحّ ذلك، فسيكون هذا أحد أكثر الفترات ملاءمةً للحياة في تاريخ الكوكب الأحمر.

تشير أبحاث جديدة إلى أن المريخ في بداياته لم يكن مجرد عالم بارد ومتجمد، بل ربما شهد ظروفًا دافئة ورطبة نسبيًا في مرحلة ما، مع هطول أمطار متواصلة وبيئة ربما كانت ملائمة للحياة. وتستند هذه النتائج إلى تحليل معادن طينية في فوهة جيزيرو، الموقع الذي تعمل فيه مركبة ناسا الجوالة "برسيفيرانس" منذ عام 2021. وتعزز هذه الأبحاث الجديدة احتمالية أن أجزاءً على الأقل من المريخ القديم كانت تتمتع بنظام مناخي أكثر استقرارًا ورطوبة مما كان يعتقده العديد من الباحثين سابقًا.
انصبّ النقاش حول ماضي المريخ لسنوات على ما إذا كان الكوكب، بين 4.1 و3.7 مليار سنة مضت، متجمداً في معظمه ولم يذُب إلا نادراً نتيجة اصطدامات النيازك أو النشاط البركاني، أم أنه كان دافئاً ورطباً وخالياً من الجليد في معظمه. تكمن المشكلة الرئيسية في سيناريو المناخ الدافئ في أن الشمس في بداياتها كانت أقل سطوعاً بنحو 30% مما هي عليه اليوم، مما استلزم وجود غلاف جوي كثيف غني بثاني أكسيد الكربون للحفاظ على مناخ دافئ. من جهة أخرى، تشير المقالة إلى أنه عند هذه الضغوط العالية، يميل ثاني أكسيد الكربون إلى التكثف في السحب، مما يُضعف تأثير الاحتباس الحراري، ولذلك اعتُبر سيناريو المناخ البارد لفترة طويلة أكثر ترجيحاً.
هنا يأتي دور مركبة "بيرسيفيرانس". تم اختيار فوهة جيزيرو كموقع للهبوط لأنها كانت تضم بحيرة في الماضي، ولا تزال قنوات التدفق القديمة والدلتا ظاهرة حولها. فحصت الدراسة الجديدة حصى الكاولينيت، وهو طين غني بالألومنيوم، وُجد في إحدى قنوات التدفق القديمة. ووفقًا للتحليل، فقد تعرضت الحصى لعوامل تجوية شديدة وتغيرات كيميائية نتيجة ملامستها للماء في العصور القديمة. والأهم من ذلك، أن تركيبها منخفض نسبيًا في الحديد والمغنيسيوم، ولكنه غني بالتيتانيوم والألومنيوم - وهو نمط، بحسب مؤلفي المقال، لا يشير إلى تغير سريع في بيئة حرارية مائية ساخنة، بل إلى تعرض مطول للماء في درجات حرارة معتدلة.
طين مشابه للطين الموجود على الأرض

وجد الباحثون أيضًا أوجه تشابه بين التركيب الكيميائي لحصى الطين المريخي وأنواع الطين المماثلة على الأرض، والتي تشكلت خلال فترات مناخية حارة ورطبة بشكل خاص. ولذلك، خلصوا إلى أن الحصى في فوهة جيزيرو قد تغيرت في ظل ظروف هطول أمطار غزيرة ومستمرة، على غرار مناخ الدفيئة القديم على الأرض. وتخلص الدراسة إلى أن هذه الفترة ربما كانت "إحدى أكثر الفترات رطوبة، وربما الأكثر ملاءمة للحياة، في تاريخ المريخ". ويُضاف إلى ذلك أن هذه الظروف ربما استمرت ليس لفترة قصيرة فحسب، بل لفترات تتراوح بين آلاف وملايين السنين.
إذن، فإنّ الآثار العلمية المترتبة على هذه النتائج واسعة النطاق. أولًا، تدعم النتائج احتمال وجود ظروف مواتية لوجود الماء السائل على سطح المريخ في الماضي. ثانيًا، تدعم هذه النتائج الادعاء بأنّ فوهة جيزيرو تُعدّ من أكثر المواقع الواعدة للبحث عن أدلة على وجود حياة قديمة. مع ذلك، من المهم التأكيد على أنّ هذه الدراسة لا تُثبت وجود حياة على المريخ، بل تُشير فقط إلى أنّ البيئة المُحتملة للحياة كانت أفضل بكثير مما تُوحي به النماذج الباردة والمتجمدة. وسيظلّ السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت عينات المريخ تحتوي بالفعل على بصمات بيولوجية مُقنعة، إلى حين إجراء اختبارات شاملة عليها في مختبرات الأرض.
في نهاية المطاف، تُظهر الدراسة صورةً رائعة: فقبل مليارات السنين، بدلاً من المشهد القاحل الذي تجتاحه الرياح والذي نعرفه اليوم، ربما كانت فوهة جيزيرو منطقةً رطبةً ممطرة، وربما حتى موطناً محتملاً للكائنات الدقيقة. إذا تأكدت هذه النتيجة من خلال دراسات أخرى، فسيتعين تحديث الرواية التقليدية عن المريخ القديم، ليس باعتباره عالماً متجمداً هامشياً، بل ككوكب ربما كان أقرب إلى الأرض القديمة مما كنا نتصور.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: