دراسة: الكواكب شديدة الجفاف قد تكون أقل ملاءمة للحياة مما كان يُعتقد سابقاً

توصل باحثون في جامعة واشنطن إلى أن كوكبًا صخريًا مشابهًا في حجمه للأرض سيحتاج إلى ما لا يقل عن 20% إلى 50% من المياه الموجودة في محيطات الأرض للحفاظ على دورة كربون مستقرة وتلطيف درجات الحرارة بمرور الوقت.

صورة لكوكب الزهرة التقطتها المركبة الفضائية مارينر 10 التابعة لناسا، إلى جانب رسم توضيحي لثلاثة أغلفة جوية محتملة لكوكب غليس 12ب. تدرس هذه الدراسة الجديدة كمية الماء التي يحتاجها كوكب صخري للحفاظ على ظروف ملائمة للحياة. حقوق الصورة: ناسا/مختبر الدفع النفاث/معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا/آر. هيرت (معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا - مركز معالجة وتحليل البيانات).
صورة لكوكب الزهرة التقطتها المركبة الفضائية مارينر 10 التابعة لناسا، إلى جانب رسم توضيحي لثلاثة أغلفة جوية محتملة لكوكب غليس 12ب. تدرس هذه الدراسة الجديدة كمية الماء التي يحتاجها كوكب صخري للحفاظ على ظروف ملائمة للحياة. حقوق الصورة: ناسا/مختبر الدفع النفاث/معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا/آر. هيرت (معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا - مركز معالجة وتحليل البيانات).

يركز البحث عن حياة خارج كوكب الأرض عادةً على الكواكب الواقعة في المنطقة الصالحة للسكن حول نجومها، حيث تسمح درجات الحرارة بوجود الماء السائل على سطحها. لكن دراسة جديدة من جامعة واشنطن تشير إلى أن مجرد التواجد في المدار المناسب لا يكفي. فحتى لو كان الكوكب في المنطقة الصالحة للسكن، فقد يكون جافًا جدًا بحيث لا يسمح بتوفير ظروف مستقرة للحياة على المدى الطويل. ووفقًا للباحثين، يحتاج كوكب صخري بحجم الأرض تقريبًا إلى ما لا يقل عن 20% إلى 50% من كمية المياه الموجودة في محيطات الأرض للحفاظ على دورة الكربون الجيولوجية المتوازنة.

تتناول هذه الدراسة، المنشورة في مجلة علوم الكواكب، الكواكب القاحلة، أي العوالم التي تحتوي على كميات قليلة جدًا من الماء على سطحها. لسنوات، اعتُبرت هذه العوالم مرشحة محتملة للحياة، طالما أنها تقع في المنطقة الصالحة للسكن. كان الافتراض السائد هو أن حتى كمية صغيرة من الماء قد تكون كافية، وربما تُسهّل الحفاظ على مناخ مستقر لأن قلة الماء تعني قلة بخار الماء في الغلاف الجوي. تتحدى الدراسة الجديدة هذا الافتراض وتُظهر أن الماء ليس مجرد مادة خام للحياة، بل هو أيضًا جزء من آلية تنظيم مناخ الكوكب.

يكمن المفتاح في دورة الكربون الجيولوجية. على الأرض، يُطلق ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي من البراكين، من بين عوامل أخرى. ثم يذوب في مياه الأمطار، ويتفاعل مع الصخور على السطح، ويتدفق إلى المحيطات، ويغوص إلى قاع البحر، ويعود على مدى ملايين السنين إلى الأعماق وإلى السطح عبر حركة الصفائح التكتونية. تعمل هذه الدورة كنوع من منظم حرارة طبيعي: فعندما يسخن الغلاف الجوي، يمكن لتجوية الصخور أن تزيل المزيد من ثاني أكسيد الكربون وتخفف من حدة الاحترار.

إذا لم يكن هناك ماء، فإن عملية التجوية تضعف.

لكن على كوكب جاف للغاية، قد يتعطل هذا النظام الحراري. فإذا لم تكن هناك كمية كافية من الماء لتكوين المطر، يتباطأ التجوية الكيميائية للصخور. وتستمر البراكين في قذف ثاني أكسيد الكربون، ولكن لا توجد آلية فعالة لإزالته من الغلاف الجوي. والنتيجة هي تراكم غازات الاحتباس الحراري، وزيادة الاحترار، وتبخر المياه المتبقية، وفي النهاية الانتقال إلى حالة حارة وجافة غير مناسبة للحياة. ووفقًا لدراسة arXiv، فإن الكواكب الصخرية الشبيهة بالأرض والتي تقل كتلتها عن 20% إلى 50% من كتلة محيطات الأرض تفشل في الحفاظ على دورة كربون متوازنة على مدى 4.5 مليار سنة.arXiv)

توصل الباحثون إلى هذه النتيجة باستخدام نماذج حاسوبية لدورة الكربون على الكواكب القاحلة. ركزت النماذج السابقة في الغالب على العوالم الأكثر برودة ورطوبة، وشملت التبخر الناتج عن ضوء النجوم، لكنها لم تكن تمثل ظروف الصحراء بدقة دائمًا. قام الباحث الرئيسي في الدراسة، هاسكل وايت-جيانيلا، وهو طالب دكتوراه في علوم الأرض والفضاء بجامعة واشنطن، بتكييف النماذج مع الظروف الأكثر جفافًا، وحسّن تقديرات التبخر والهطول.

تكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة لأن العلماء قد أكدوا بالفعل وجود أكثر من 6,000 كوكب خارج نظامنا الشمسي، ومن المتوقع اكتشاف المزيد. يقع بعضها في المنطقة الصالحة للسكن، لكن معظمها يصعب رصده مباشرة. هذا يعني أن على علماء الفلك فرز الكواكب المرشحة وتحديد أيها يستحق استثمار وقت التلسكوب الثمين فيه. تشير النتائج الجديدة إلى ضرورة توخي العلماء مزيدًا من الحذر عند دراسة الكواكب الجافة، حتى لو كانت على مسافة مناسبة من نجمها.

مثل كوكب الزهرة

يُستخدم كوكب الزهرة في هذه الدراسة كمثال قريب ومثير للقلق. فهو يُشابه الأرض في الحجم، وربما تشكّل في نفس الفترة الزمنية تقريبًا، وربما كان يحتوي في الماضي على كمية أكبر من الماء. لكن سطحه اليوم شديد الحرارة، وغلافه الجوي كثيف وغني بثاني أكسيد الكربون. ويشير الباحثون إلى أنه إذا كان كوكب الزهرة قد بدأ بكمية ماء أقل من الأرض، نظرًا لقربه من الشمس، فربما اختلّ توازن دورة الكربون فيه في وقت مبكر نسبيًا. وكان تراكم ثاني أكسيد الكربون سيؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة سطحه، مما تسبب في فقدان المزيد من الماء، وجعل كوكب الزهرة بعيدًا كل البعد عن أي إمكانية لوجود حياة مستقرة على سطحه.

لا يعني هذا أن كل كوكب جاف غير صالح للحياة تمامًا، بل يعني أن فرص استدامة الحياة عليه على المدى الطويل أقل مما كان يُعتقد سابقًا. كما أن البحث لا يهدف إلى اكتشاف الحياة بحد ذاتها، بل إلى تحديد الظروف التي تسمح لكوكب ما بالبقاء صالحًا للسكن على مدى فترات زمنية جيولوجية. وهذا تمييز مهم: فقد يكون عالم معين صالحًا للسكن لفترة قصيرة، لكنه يفقد استقراره قبل أن تظهر الحياة وتستقر وتترك آثارًا يمكننا رصدها.

ستكون الخطوة التالية هي مقارنة النماذج بالملاحظات المستقبلية، وخاصة في البعثات إلى كوكب الزهرة ودراسات الغلاف الجوي للكواكب خارج النظام الشمسي.

الخلاصة العامة هي أن للأرض ميزةً أكثر دقةً مما قد تبدو عليه للوهلة الأولى. فالأمر لا يقتصر على كونها على بُعد مناسب من الشمس، بل إنها تحتوي أيضاً على كمية كافية من الماء ليس فقط للمحيطات والأمطار، بل أيضاً لدورة جيولوجية تُسهم في استقرار المناخ عبر الزمن. وإذا صحت هذه الدراسة الجديدة، فإن العديد من العوالم التي تبدو واعدةً للوهلة الأولى قد تكون جافةً للغاية بحيث لا تستطيع الحفاظ على هذا التوازن الدقيق.

للمادة العلمية

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.