روث عمره 700 ألف عام يكشف عن قائمة طعام السنجاب الأرضي في العصر الجليدي

كشف الحمض النووي القديم المحفوظ في براز متحجر من يوكون عن أدلة على وجود حيوانات الماموث والبيسون والخيول والحيوانات اللاحمة الكبيرة والنباتات من العصر الجليدي، بالإضافة إلى سلالة غير معروفة من السنجاب الأرضي.

سنجاب أرضي ذو فراء ذهبي. صورة توضيحية: depositphotos.com
السنجاب الأرضي ذو الفراء الذهبي. الرسم التوضيحي: موقع Depositphotos.com

أحيانًا لا يكون أهم أرشيف علمي عظمة أو سنًا أو أحفورة رائعة، بل شيء أكثر تواضعًا: قطع صغيرة من فضلات محفوظة في التربة الصقيعية. تُظهر دراسة جديدة نُشرت في مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز" أن فضلات السنجاب الأرضي المتحجرة، التي عُثر عليها في جحور متجمدة في منطقة كلوندايك بإقليم يوكون الكندي، قد حفظت حمضًا نوويًا قديمًا من عالم لم يعد موجودًا.

يعود تاريخ العينات إلى حوالي 700 ألف عام، أي إلى العصر البليستوسيني الأوسط، وهي الفترة التي كانت فيها أمريكا الشمالية الغربية جزءًا من بيرينجيا، المنطقة التي كانت تربط سيبيريا وألاسكا. في تلك المناظر الطبيعية الباردة، عاشت حيوانات الماموث الصوفي، والبيسون السهبي، والخيول القديمة، والأرانب البرية، والذئاب، وغيرها من الحيوانات المفترسة الكبيرة. والآن، اتضح أن بعض الأدلة الجينية لهذه الحيوانات قد حُفظت تحديدًا بفضل السناجب الأرضية.

حلل الباحثون الحمض النووي البيئي القديم من البراز المتحجر المحفوظ في جحور السناجب الأرضية في التربة الصقيعية. ووجدوا مواد وراثية من نباتات وفطريات وحشرات وميكروبات وطيور وثدييات كبيرة. وفي بعض الحالات، تمكن الباحثون من تجميع جينومات ميتوكوندريا كاملة أو شبه كاملة، بما في ذلك جينومات السناجب الأرضية نفسها، والأرانب البرية، وثيران البراري، والخيول القديمة. كما تم تحديد تسلسلات من الماموث، ومن المتوقع أن تتناولها دراسة منفصلة بالتفصيل.

كهوف تحولت إلى مجمد طبيعي

تعيش السناجب الأرضية القطبية اليوم في يوكون وألاسكا. تحفر هذه السناجب جحورًا في الأرض، وتخزن فيها الطعام والمواد النباتية، ثم تدخل في سبات شتوي طويل قد يستمر لأشهر عديدة. وفي ظروف التربة الصقيعية، قد تبقى هذه الجحور متجمدة ومغلقة لعشرات الآلاف أو حتى مئات الآلاف من السنين.

تُكشف جحور السنجاب الأرضي في يوكون أحيانًا بفعل أنشطة التعدين في منطقة كلوندايك. يُستخدم الماء المضغوط لإذابة رواسب التربة الصقيعية، مما يكشف عن بقايا قديمة: عظام، ورواسب، وجحور، وحتى فضلات السنجاب الأرضي. من منظور علمي، تُعد هذه الفضلات بمثابة كبسولة زمنية. فهي لا تحتوي فقط على الحمض النووي للحيوان الذي وضعها، بل تحتوي أيضًا على الحمض النووي لما أكله، وما جمعه لجحره، والكائنات الحية التي عاشت حوله.

بحسب الباحثين، تتصرف السناجب الأرضية إلى حد ما كـ"فئران التخزين": فهي تجمع البذور والنباتات والعظام ومجموعة متنوعة من المواد العضوية من البيئة المحيطة لبناء جحورها. ولذلك، فإن فضلات السناجب ومخلفاتها في الجحور لا تكشف فقط عما مرّ عبر جهازها الهضمي، بل تقدم أيضاً صورة أشمل عن النظام البيئي الذي عاشت فيه.

قائمة طعام مفاجئة: نباتات، حشرات، وربما جيف

القصة التي تصدرت عناوين الأخبار هي قائمة طعامها. يُنظر إلى السناجب الأرضية عادةً على أنها حيوانات صغيرة لطيفة تتغذى على النباتات والبذور، لكن الحقيقة أكثر تنوعًا. فالسناجب الأرضية الحديثة هي أيضًا حيوانات قارتة انتهازية: فهي تأكل النباتات والفطريات والحشرات، وأحيانًا اللحوم أو الجيف، خاصةً بعد فترة سبات طويلة، عندما تحتاج إلى البروتين والطاقة بسرعة.

عثر الباحثون على تسلسلات جينية لدى السناجب القديمة تُطابق تسلسلات جينية لدى حيوانات الماموث، والبيسون، والخيول، والأرانب، والذئاب، والقطط الكبيرة. ويقترح الباحثون عدة احتمالات: ربما تكون السناجب قد تغذت على بقايا الجيف المتبقية في البيئة المتجمدة؛ وربما تكون قد جمعت العظام أو البقايا لبناء جحورها؛ وربما يكون بعض الحمض النووي قد وصل إليها عبر وسائل بيئية أخرى. لذا، ليس من الضروري تخيل سنجاب صغير "يصطاد" ​​ماموثًا، بل حيوانًا استغل كل مصدر غذائي متاح في بيئة قاسية.

في مقالٍ نُشر في مجلة "نيتشر"، أطلق أحد الباحثين على هذه السناجب، بأسلوبٍ فكاهي، لقب "زومبي العصر البليستوسيني" - وهي قوارض استيقظت من سباتٍ طويل وتتوق لأي مصدرٍ للبروتين. لكن علميًا، تكمن القيمة الحقيقية للدراسة لا في هذا اللقب المُلفت، بل في حقيقة أن هذه الفضلات تُحافظ على معلوماتٍ وراثيةٍ تخص مجتمعًا كاملًا من الكائنات القديمة.

سلالة من السناجب لم نكن نعرف عنها

براز سنجاب أرضي متحجر من التربة الصقيعية في يوكون. احتفظت العينات بحمض نووي بيئي قديم من نظام بيئي لم يعد موجودًا. حقوق الصورة: سكوت كوكر.
براز سنجاب أرضي متحجر من التربة الصقيعية في يوكون. احتفظت العينات بحمض نووي بيئي قديم من نظام بيئي لم يعد موجودًا. حقوق الصورة: سكوت كوكر.

كشفت الدراسة أيضاً عن مفاجأة تطورية. فقد كان يُعتقد سابقاً أن بقايا السنجاب الأرضي الذي عاش في العصر البليستوسيني في يوكون ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسنجاب الأرضي القطبي الذي يعيش في المنطقة اليوم. لكن تحليل الجينومات الميتوكوندرية أظهر أن العينات القديمة لا تنتمي ببساطة إلى السلالة المحلية الحديثة.

بدلاً من ذلك، تشير بعض التسلسلات إلى سلالة غير معروفة من السناجب الأرضية، ترتبط بمجموعات لم تعد تعيش في يوكون. ويقول الباحثون إنها قد تكون مجموعة سكانية قديمة اختفت من المنطقة، أو سلالة لم يتم وصفها بدقة بعد، لأن قواعد البيانات المرجعية الجينية للسناجب الأرضية القديمة والحديثة لا تزال غير مكتملة.

يُعد هذا الاكتشاف مهمًا لأنه يُذكّرنا بمدى ديناميكية المشهد الطبيعي في العصر البليستوسيني. فقد انتقلت الأنواع، واختفت بعض التجمعات السكانية أو استُبدلت، وفتحت تغيرات المناخ ممرات بيئية وأغلقتها. حتى الحيوانات التي تبدو لنا اليوم "محلية" كان لها تاريخ طويل من الهجرة والعزلة والانقراضات المحلية.

أداة جديدة لدراسة النظم البيئية القديمة

حتى الآن، اعتمدت أبحاث الحمض النووي القديم بشكل أساسي على العظام والأسنان والرواسب. تُظهر الدراسة الجديدة أن المتحجرات البرازية المحفوظة في التربة الصقيعية يمكن أن تكون مصدرًا غنيًا بشكل خاص للحمض النووي البيئي. في بعض الحالات، قد تحتفظ هذه المتحجرات بمعلومات أكثر تفصيلًا من الرواسب العادية لأنها تُركّز المواد العضوية من مصادر متعددة في جحر واحد.

يؤكد الباحثون على ضرورة توخي الحذر عند تفسير النتائج. فالحمض النووي المستخلص من بقايا الأسماك ليس بالضرورة دليلاً مباشراً على تناولها، إذ قد يكون مصدره مواد جُمعت من جحر، أو تلوث بيئي قديم، أو ملامسة بقايا أخرى. ولذلك، تعتمد الدراسة على اختبارات التحقق، وأنماط التلف المميزة للحمض النووي القديم، ومقارنته بمجموعات أخرى من الحمض النووي من المنطقة.

على الرغم من الحذر، فإن الإمكانات هائلة. يمكن أن تساعد روث الحيوانات المتحجرة في إعادة بناء تاريخ الكائنات الحية التي سكنت بجوار بعضها، وأنواع النباتات التي غطت البيئة، وكيف تغيرت أعدادها عبر العصور الجليدية، ولماذا اختفت بعض أنواع الحيوانات الضخمة. وقد تساعد أيضًا في فهم كيفية استجابة النظم البيئية لارتفاع درجة الحرارة وذوبان التربة الصقيعية، وهو سؤال ذو أهمية خاصة في الوقت الراهن.

بهذا المعنى، لا تُعدّ فضلات السنجاب في كلوندايك مجرد قصة غريبة عن قائمة طعام قديمة، بل إنها تُقدّم طريقة جديدة لقراءة الماضي: ليس من خلال أحفورة واحدة، بل من خلال بصمة جينية كاملة لمنظر طبيعي متجمد، محفوظ في جحر صغير لمئات الآلاف من السنين.

المصادر والصور

مقال علمي: DOI: 10.1038/s41467-026-72977-6

أسئلة وأجوبة مختصرة:

ماذا وجد الباحثون من الأحافير؟
وجد الباحثون الحمض النووي القديم من النباتات والحشرات والميكروبات والطيور والثدييات الكبيرة، بما في ذلك الماموث والبيسون والخيول والحيوانات اللاحمة.

هل كانت السناجب تأكل الماموث؟
ربما تكون هذه الحيوانات قد تغذت على الجيف أو جمعت بقاياها لبناء جحورها، لكن الحمض النووي المستخلص من الجثث ليس دائمًا دليلًا مباشرًا على التغذية. ويقترح الباحثون عدة آليات محتملة.

لماذا تم حفظ الروث لفترة طويلة؟
لقد تم حفظها في جحور متجمدة داخل التربة الصقيعية في يوكون، والتي عملت كمجمد طبيعي لعشرات الآلاف إلى مئات الآلاف من السنين.

ما هي الأهمية العلمية لهذا البحث؟
يُظهر ذلك أن البراز المتحجر يمكن أن يكون بمثابة أرشيف غني للحمض النووي البيئي القديم، مما يساعد على إعادة بناء النظم البيئية المنقرضة وسلالات الحيوانات.

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.