استخدم باحثون في الجامعة العبرية في القدس الذكاء الاصطناعي كـ"نسخة حاسوبية" من الخلية العصبية، ووجدوا أن البنية المتفرعة للتغصنات والاستجابات غير الخطية في نقاط الاشتباك العصبي تمنح الخلايا البشرية تعقيدًا حسابيًا عاليًا. لا تثبت هذه النتيجة أن خلية واحدة هي سر الذكاء، لكنها تشير إلى أن اللبنات الأساسية للدماغ أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا.
يقول البروفيسور عيدان سيجيف من الجامعة العبرية: "يميل الناس إلى التفكير في الخلية العصبية على أنها مفتاح بسيط يقوم بتشغيلها أو إيقافها. ما نوضحه هو أن الخلية العصبية البشرية الواحدة هي في حد ذاتها جهاز حسابي متطور بشكل لا يصدق".
ما الذي يمكّن الدماغ البشري من امتلاك اللغة، والخيال، والرياضيات، والإبداع، والقدرة على حلّ المشكلات المعقدة؟ لسنوات، ركّزت معظم التفسيرات على العدد الهائل من الخلايا العصبية في الدماغ والروابط الكثيرة بينها. تشير أبحاث جديدة إلى أن جزءًا من الإجابة قد يكمن على نطاق أصغر بكثير، في القدرة الحسابية لخلية عصبية بشرية واحدة.
استخدم الباحثون الشبكات العصبية الاصطناعية لقياس التعقيد الحسابي للخلايا العصبية في القشرة الدماغية. وبدلاً من مجرد وصف بنية الخلية أو نشاطها الكهربائي، طرحوا سؤالاً حسابياً: ما مدى صعوبة تعلم الشبكة الاصطناعية محاكاة العلاقة بين الإشارات الداخلة إلى الخلية والاستجابة الكهربائية التي تنتجها؟
استنتج الباحثون أنه كلما كانت الشبكة الاصطناعية المطلوبة لمحاكاة الخلية العصبية أعمق وأكثر تعقيدًا، زادت قدرة الخلية البيولوجية على المعالجة.
أُجريت الدراسة من قِبل إيدو آيزنبود، ودانييلا يوئيل، وديفيد بنياجيف، تحت إشراف البروفيسور ميكي لندن والبروفيسور عيدان سيجيف من مركز إدموند وليلي صفرا لعلوم الأعصاب في الجامعة العبرية. كما شارك في الدراسة البروفيسور كريستيان دي كوك من جامعة فريجي أمستردام. ونُشرت في إحدى المجلات العلمية. PNAS.
شبكة عصبية تعمل كمسطرة قياس
تستوحي الشبكات العصبية الاصطناعية عموماً تصميمها من الدماغ، لكن وحداتها الأساسية بسيطة للغاية مقارنةً بالخلايا العصبية البيولوجية. تأخذ كل وحدة اصطناعية عدداً من القيم، وتضع لها أوزاناً، ثم تمرر النتيجة إلى الطبقة التالية.
تعمل الخلية العصبية الحقيقية بطريقة أكثر تعقيدًا. فهي تستقبل آلاف الإشارات من الخلايا الأخرى عبر المشابك العصبية المنتشرة على طول تفرعاتها الشجرية - وهي امتدادات متفرعة من جسم الخلية. ولا تتصل الإشارات بالضرورة وفق نمط بسيط، إذ يمكن لموقعها على الشجرة الشجرية وقوتها وتوقيتها وخصائصها الكهربائية المحلية أن تُغير النتيجة.
قام الباحثون ببناء نماذج حاسوبية مفصلة للخلايا العصبية واستخرجوا منها العديد من الأمثلة على المدخلات والمخرجات. ثم قاموا بتدريب شبكة عصبية اصطناعية لتعمل كنوع من "التوأم" لكل خلية عصبية: حيث تستقبل الإشارات نفسها وتحاول التنبؤ باستجابتها.
إذا نجحت شبكة بسيطة وسطحية في إنجاز المهمة، فهذا يعني أن الخلية البيولوجية كانت تؤدي عملاً يسهل وصفه نسبياً. أما إذا تطلب الأمر شبكة أعمق ذات طبقات حسابية متعددة، فهذا يشير إلى علاقة أكثر تعقيداً بين المدخلات والمخرجات.
التشعبات ليست مجرد كابلات إدخال
تشير النتائج إلى أن التغصنات العصبية تلعب دورًا محوريًا في القدرة الحسابية للعصبون. في الماضي، كانت التغصنات تُوصف أحيانًا بأنها مجرد كابلات تنقل الإشارات إلى جسم الخلية. لكن الأبحاث المتراكمة تُظهر أنها هي نفسها تقوم بمعالجة المعلومات.
تستطيع فروع مختلفة من الشجرة التغصنية الاستجابة محليًا لمجموعات معينة من الإشارات. فالإشارات التي تصل معًا إلى فرع واحد قد تُنتج استجابة مختلفة عن تلك التي تصل إلى فروع منفصلة. وهذا يسمح للخلية بالتعرف على الأنماط، فتركز على مجموعات معينة من المدخلات وتتجاهل غيرها حتى قبل وصول المعلومات إلى جسم الخلية.
ووفقًا للدراسة، فإن الجمع بين البنية المتفرعة للتغصنات والاستجابات غير الخطية في المشابك يزيد بشكل كبير من التعقيد الوظيفي للخلايا العصبية البشرية.
تعني كلمة "غير خطي" أن النتيجة ليست بالضرورة مجرد مجموع بسيط لجميع الإشارات. فقد تؤدي إشارتان تصلان معًا إلى استجابة أكبر بكثير - أو أصغر بكثير - من مجموع الاستجابات التي كانت ستحدثها كل منهما على حدة.
ميزة حسابية للخلايا البشرية
وجد الباحثون أن محاكاة سلوك الخلايا العصبية القشرية البشرية بواسطة شبكة اصطناعية كانت أصعب من محاكاة سلوك الخلايا العصبية من أنواع أخرى تم اختبارها. وقد تطلب الأمر نموذجًا أكثر عمقًا لتحقيق مستوى مماثل من الدقة.
لا يعني هذا أن خلية عصبية واحدة قادرة على التفكير أو فهم اللغة أو تمييز الأشياء كما يفعل الدماغ بأكمله. تنشأ هذه القدرات من النشاط المنسق لمجموعات هائلة من الخلايا والروابط فيما بينها.
ومع ذلك، تُظهر الدراسة أن الوحدة الأساسية التي تُبنى منها الشبكة البشرية ليست بالضرورة مكونًا بسيطًا. فقد تُجري كل خلية معالجة داخلية مُكثفة قبل إرسال إشارتها إلى الخلايا الأخرى.
تُشكك هذه النتيجة في الوصف البسيط للدماغ كنظامٍ تُعتبر فيه كل خلية عصبية بمثابة مفتاح ثنائي، حيث ينشأ كل التعقيد على مستوى الشبكة فقط. ويبدو أن هناك مستويين على الأقل من الحساب: داخل الخلية العصبية نفسها، وبين الخلايا العصبية المتصلة بالشبكة.
لا يوجد دليل على "سر الاستخبارات"
يوحي عنوان إعلان الجامعة بأن سر الذكاء البشري يكمن في قوة خلية عصبية واحدة، ولكن ينبغي التعامل مع هذا الأمر بحذر. فالدراسة لا تقيس الذكاء ولا تثبت وجود صلة مباشرة بين تعقيد خلية عصبية معينة واللغة أو الإبداع أو التفكير المجرد.
يوفر هذا طريقة لمقارنة التعقيد الحسابي للخلايا ويظهر أن بنية وخصائص الخلايا العصبية البشرية الكهربائية تسمح لها بتحقيق وظائف أكثر تعقيدًا ضمن إطار النموذج المختبر.
لا يعني تشبيهها بشبكة عصبية عميقة أن الخلية البيولوجية وشبكة الذكاء الاصطناعي تعملان بالطريقة نفسها. فقد استُخدمت الشبكة الاصطناعية هنا كأداة رياضية لقياس صعوبة محاكاة الخلية، وليس نسختها البيولوجية.
ومع ذلك، فإن هذا الاكتشاف يثير احتمال أن جزءًا من التطور التطوري للقدرات البشرية لم ينشأ فقط من زيادة عدد الخلايا العصبية أو عدد الروابط بينها، ولكن أيضًا من تحسين قدرات المعالجة للخلايا نفسها.
إلهام جيل جديد من الذكاء الاصطناعي
قد يكون لهذا البحث آثارٌ على تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. فمعظم الشبكات الحالية مبنية من عدد كبير جدًا من الوحدات البسيطة نسبيًا. أما الدماغ، على النقيض، فيتكون من خلايا، كل منها قادرة على إجراء عمليات حسابية داخلية معقدة.
قد تتمكن الأنظمة المستقبلية من استخدام وحدات اصطناعية أكثر تعقيدًا، حيث تتم معالجة المعلومات بطريقة تشبه التشعبات العصبية قبل نقلها. ويمكن لهذا النهج أن يسمح للشبكات بإجراء عمليات حسابية معينة باستخدام عدد أقل من الوحدات أو الطبقات.
مع ذلك، قد يؤدي إضافة المزيد من التعقيد إلى كل وحدة إلى زيادة العبء على التدريب والأجهزة. وسيكون من الضروري دراسة ما إذا كان محاكاة الخصائص البيولوجية يوفر بالفعل ميزة عملية في أنظمة الذكاء الاصطناعي، أم أنه مجرد نقل للتعقيد من بنية الشبكة إلى الوحدات نفسها.
يمكن أيضًا استخدام الإطار الذي طوره الباحثون لمقارنة أنواع مختلفة من الخلايا العصبية، ومناطق مختلفة من الدماغ، وأنواع مختلفة، وربما في المستقبل أيضًا بين الخلايا السليمة والخلايا المتضررة بسبب أمراض الدماغ.
שאלות ותשובות
ماذا اكتشف الباحثون عن خلية عصبية بشرية؟ وجدوا أنه لمحاكاة العلاقة بين الإشارات الداخلة إلى الخلية العصبية البشرية واستجابتها بدقة، يلزم وجود شبكة عصبية اصطناعية عميقة نسبياً. وهذا يدل على التعقيد الحسابي العالي للخلية.
كيف تم قياس تعقيد الخلية العصبية؟ قام الباحثون بتدريب شبكة عصبية اصطناعية لمحاكاة عمل الخلية. وكلما زاد عدد الطبقات والموارد اللازمة لتحقيق محاكاة دقيقة، كلما قُدِّر أن عمل الخلية أكثر تعقيدًا.
ما الذي يمنح الخلية العصبية البشرية قدرتها الحسابية؟ تشير الدراسة إلى البنية المتفرعة للتغصنات والاستجابات غير الخطية للمشابك العصبية كعوامل رئيسية تسمح للخلية بمعالجة مجموعات معقدة من الإشارات.
هل تُعتبر خلية عصبية واحدة مصدر الذكاء البشري؟ لا تثبت الدراسة ذلك. ينشأ الذكاء من نشاط شبكات واسعة من الخلايا، لكن النتائج تشير إلى أن كل لبنة من لبنات بناء الشبكة قد تكون أكثر تعقيدًا مما كان يُفترض سابقًا.
المزيد عن هذا الموضوع على موقع العلوم
- قام الباحثون ببرمجة الخلايا البشرية لأداء عمليات منطقية واتخاذ القرارات
- ما تأثير كأس العالم على أدمغتنا؟
- هل يمكن للخوارزمية اتخاذ القرارات دون طبيب؟ إسرائيل تختبر الذكاء الاصطناعي الطبي المستقل
- يقوم الذكاء الاصطناعي بترجمة تسلسلات البروتين إلى أوصاف باللغة الطبيعية.
بالنسبة للمقال العلمي: فتح المقال العلمي