تتناول دراسة أجريت في جامعة تل أبيب أسباب تخلي الولايات المتحدة عن "الردع السيبراني" في عام 2018 وانتقالها إلى استراتيجية "الدفاع الأمامي" و"المشاركة المستمرة".
الهجوم السيبراني (الحرب السيبرانية) هو عمل هجومي تقوم به منظمة أو دولة لاختراق الفضاء السيبراني للعدو (أنظمة وشبكات الحاسوب التي تخزن فيها البيانات وتجري فيها الاتصالات التفاعلية عبر الإنترنت)، وتعطيله، وسرقة المعلومات، بل وحتى إلحاق الضرر بعمليات الأنظمة والبنية التحتية الحيوية. وعلى عكس الفضاءات الأخرى، يصعب تحديد هوية المهاجمين العاملين في الفضاء السيبراني. إن الطبيعة الفريدة للفضاء السيبراني - من حيث السرية والابتكار والانتشار - تجعل من الصعب استخدام الاستراتيجيات التقليدية، بما في ذلك الردع؛ إذ يصعب تطبيق أبسط عناصر الردع، مثل توجيه الإشارات إلى الخصم واستعراض القدرات، في هذا الفضاء.
والسؤال هو: لماذا تبنى الأمريكيون استراتيجية الردع السيبراني في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين - واستبدلوها باستراتيجية أخرى في عام 2018؟
الدكتور أمير لوبوفيتز، محاضر أول في كلية العلوم السياسية والحكومة والعلاقات الدولية، وباحث في المركز السيبراني متعدد التخصصات بجامعة تل أبيب، متخصص في أبحاث الردع، بما في ذلك في مجال الفضاء السيبراني. يقول: "تدرس الدراسات الكلاسيكية الظروف التي ينجح فيها الردع، وكيف يمكن حثّ المعتدي على الامتناع عن أفعال غير مرغوب فيها للمدافع. أما أنا، فأدرس السياق الاجتماعي (كاللغة والثقافة) الذي تعمل فيه الأطراف. هدفي هو محاولة فهم ليس فقط كيف يُشكّل السياق الاجتماعي فهم الأطراف للاستراتيجية، بل أيضاً ما الذي يدفع مختلف الجهات الفاعلة إلى تبني استراتيجية الردع، وكيف تختار القيام بذلك". بدأ الدكتور لوبوفيتز استكشاف هذه القضايا في أطروحته للدكتوراه، حيث طوّر "مجتمع الردع" - وهو إطار بحثي مكّن من إظهار كيف شكّلت الهويات والأفكار والممارسات سلوك القوى خلال الحرب الباردة.
تُجري الدكتورة لوبويتز حاليًا، بدعم من منحة مقدمة من المؤسسة الوطنية للعلوم، بحثًا حول البنى الاجتماعية التي تؤثر على الردع في الفضاء الإلكتروني. وتقول: "يُقال إنه من الصعب إيصال رسالة ردع للمهاجمين في الفضاء الإلكتروني لأن هويتهم غالبًا ما تكون مجهولة. لكن في رأيي، لا يقتصر الأمر على الفضاء الإلكتروني وخصائصه التقنية فحسب، بل تلعب البنى الاجتماعية أيضًا دورًا هامًا، إذ قد تتغير بمرور الوقت. فعلى سبيل المثال، نظرًا لأن الجهات الفاعلة لا تنظر عادةً إلى الهجمات الإلكترونية على أنها أعمال عنف، يصعب عليها شنّ ردود فعل انتقامية وتبريرها."
قادت دراسة القضايا المتعلقة بالبنى الاجتماعية والهوية الدكتور لوبوفيتز إلى الاهتمام بمصطلح الأمن الوجودي، وهو مفهوم ظهر في ستينيات القرن الماضي في مجال الطب النفسي وعلم النفس، وتناول الحفاظ على الهوية الذاتية ("من أنا؟")، ثم امتد ليشمل مجال الدولة والعلاقات الدولية فيما يتعلق بالحفاظ على الهوية الجماعية. ويقول: "على عكس الأمن المادي، الذي يقتصر أساسًا على البقاء، فإن الأمن الوجودي يتعلق بأمان الذات، أي قدرة الذات على الشعور باليقين والاستمرارية والنظام. ولذلك، على سبيل المثال، يُعدّ الشعور بالانتماء إلى الوطن عنصرًا أساسيًا في الأمن الوجودي. والفكرة هي أن هذا الشعور لا يقتصر على الأفراد فحسب، بل يشمل الدول أيضًا. لذا، على سبيل المثال، عندما يتعطل الروتين ويصبح المنزل غير قادر على أن يكون ملاذًا آمنًا - كما هو الحال أثناء الحرب في إسرائيل - فإن التهديد لا يقتصر على الأمن المادي فحسب، بل يمتد ليشمل الهوية أيضًا، مما ينتج عنه حالة من عدم اليقين والقلق الجماعيين."
يتحدى الفضاء الإلكتروني الشعور بالانتماء لدى سكان ومواطني الدول، والذي كان يوفره سابقاً مفهوم السيادة.
تُشكّل التكنولوجيا السيبرانية تحدياتٍ عديدةً للأمن الوجودي للأفراد والدول. ووفقًا للدكتور لوبوفيتز، "يُشكّل الفضاء السيبراني تحديًا لمفهوم "الشعور بالانتماء" للدول، والذي كان يُوفّره سابقًا مفهوم السيادة. فهناك مكانٌ خاصٌ بنا، مُتحرّرٌ من السيطرة الخارجية، ويجب على الدولة أن تكون مسؤولةً عن حمايته، بل ويمكنها ذلك".
يهدف بحث الدكتور لوبويتز الأخير، الذي لا يزال جارياً ويستند إلى دراسة الوثائق الاستراتيجية الأمريكية وتصريحات المسؤولين الحكوميين (على سبيل المثال، في وزارة الدفاع الأمريكية ووحداتها السيبرانية)، إلى بحث العلاقة بين الأمن الوجودي والردع والفضاء السيبراني في الولايات المتحدة. ومن بين الأسئلة البحثية المطروحة: لماذا تبنى الأمريكيون في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية استراتيجية الردع السيبراني، على الرغم من أن العديد من الباحثين والخبراء شككوا آنذاك في فعاليتها وقدرتها على منع الهجمات السيبرانية؟
بحسب الدكتور لوبوفيتز، "يساعدنا إطار البحث الخاص بالأمن الوجودي على فهم اختيار استراتيجية الردع السيبراني في الولايات المتحدة، إذ لم يكن الهدف مجرد توفير الأمن المادي للأمريكيين، وهو أمرٌ، كما ذُكر، كان موضع شك، بل أيضاً إظهار استمرارية النهج السابق. وقد وجدتُ أن الاعتماد على استراتيجية الردع - التي برزت في العقود الأخيرة في الولايات المتحدة - مكّن الإدارة من الاستمرار في التمسك بالرواية التي تُفيد بأن الدولة تُوفر الأمن للجمهور كما فعلت في الماضي في مختلف المجالات. وبهذه الطريقة، يُفترض أنها قللت من حالة عدم اليقين المرتبطة بالتحديات التي يُثيرها الفضاء السيبراني."
مع ذلك، في عام 2018، استُبدلت استراتيجية الردع السيبراني الأمريكية باستراتيجيتي "الدفاع الاستباقي" و"الاشتباك المستمر"، واللتان تتضمنان اختراق شبكات العدو (دول مثل الصين وروسيا) لجمع معلومات حول خططهم، وبالتالي تحييد التهديدات التي تواجه البنية التحتية والمصالح الوطنية. ويأتي هذا في أعقاب تغيرات في فهم جوهر الفضاء السيبراني، كما أوضح الباحثان مايكل فيشركيلر وريتشارد هاركنت، أحد واضعي الاستراتيجيات الجديدة. يقول الدكتور لوبوفيتز: "بحسب رأيهما، يقوم الردع على فكرة السيادة - أي القدرة على التمييز بين أراضينا وأراضي الخصم. لكن هذا لا ينطبق على الفضاء السيبراني. ورغم أن معارضتهما لاستراتيجية الردع السيبراني كانت معروفة منذ فترة طويلة، إلا أنهما لم يتمكنا من التأثير على السياسة الأمريكية إلا في أواخر العقد الثاني من الألفية الثانية".
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: