يشير تقرير علمي دولي حديث إلى أن اختلال توازن الطاقة على سطح الأرض بلغ ذروته. تمتص المحيطات معظم الحرارة، لكن عواقب ذلك تظهر في موجات الحر، وارتفاع منسوب مياه البحر، وتغيرات في أنماط هطول الأمطار.
يمتص كوكب الأرض حاليًا طاقة من الشمس تفوق ما يعيده إلى الفضاء. هذه الفجوة، المعروفة باسم "اختلال توازن طاقة الأرض"، تُعدّ أحد المؤشرات الرئيسية لمعدل الاحتباس الحراري. ووفقًا لتقرير علمي دولي حديث، فقد تضاعفت هذه الفجوة أكثر من مرتين منذ الفترة 1976-1995، وهي الآن عند مستويات قياسية.
نُشر التحديث في مجلة بيانات علوم نظام الأرض كجزء من مشروع مؤشرات تغير المناخ العالمي، الذي يشارك فيه أكثر من 70 باحثًا من 56 مؤسسة في 17 دولة. ويراقب الباحثون سلسلة من المؤشرات المصممة لتحديث حالة النظام المناخي وتأثير الإنسان عليه، وذلك بين تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.
بحسب الدراسة، بلغ الاحترار الناجم عن النشاط البشري حوالي 1.37 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية في عام 2025. وخلال العقد الممتد من 2016 إلى 2025، بلغ متوسط الاحترار البشري حوالي 1.24 درجة. وإذا استمر معدل الاحترار الحالي، فقد يصل الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2030 تقريبًا. ومن المهم التأكيد على أن عتبة 1.5 درجة مئوية المنصوص عليها في اتفاقية باريس لا تُقاس بسنة استثنائية واحدة، بل بالاحترار المستمر على مر الزمن.
معظم الحرارة تذهب إلى المحيطات.
إن اختلال توازن الطاقة ليس مفهوماً مجرداً، بل هو وصفٌ لفائض حقيقي من الحرارة المخزنة في النظام المناخي. تمتص المحيطات نحو 90% من هذه الحرارة الزائدة، ما يجعلها بمثابة "ممتص للصدمات" المناخية. إلا أن هذا الممتص لا يمنع آثارها، بل ينقلها إلى أماكن أخرى.
يؤدي ارتفاع درجة حرارة المحيطات إلى تمدد مياه البحر حرارياً، مما يساهم في ذوبان الأنهار الجليدية وتسريع ارتفاع مستوى سطح البحر. ووفقاً لآخر التحديثات، ارتفع مستوى سطح البحر عالمياً بنحو 23 سنتيمتراً منذ عام 1901. ويتزايد معدل هذا الارتفاع: فبينما كان يُقاس في القرن العشرين بمعدل متوسط أقل من مليمترين سنوياً، فقد أصبح أسرع بكثير في العقود الأخيرة.
تتزايد وتيرة موجات الحر البحرية. ففي عام 2025، شهدت مساحة المحيطات المتوسطة حوالي 65 يومًا من موجات الحر البحرية. وخلال العقد الماضي، بلغ متوسط عدد هذه الموجات 58 يومًا سنويًا، مقارنةً بـ 37 يومًا فقط في العقد الممتد من 2007 إلى 2016. وتُلحق موجات الحر البحرية أضرارًا بالغة بالنظم البيئية والشعاب المرجانية ومصائد الأسماك والمجتمعات الساحلية التي تعتمد على البحر في معيشتها وحمايتها الطبيعية من العواصف.
ليس حدثًا غير عادي، بل هو أشبه بخلفية دافئة
تُظهر الدراسة أن الاحتباس الحراري لا يقتصر على متوسط درجة حرارة الهواء فحسب، بل إن النظام المناخي بأكمله يكتسب طاقة: فالمحيطات ترتفع درجة حرارتها، والجليد يذوب، واليابسة ترتفع درجة حرارتها، والغلاف الجوي يزداد رطوبة. يستطيع الهواء الدافئ حمل المزيد من بخار الماء، مما يزيد من خطر هطول الأمطار الغزيرة. وفي مناطق أخرى، قد يُفاقم النظام الدافئ نفسه حالات الجفاف وموجات الحر.
في ظل هذه الظروف، تستمر انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الارتفاع. ووفقًا للتحديث، بلغت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية ذروتها عند 56.8 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في عام 2024، ويرجع ذلك أساسًا إلى حرق الوقود الأحفوري. كما استمرت تركيزات ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز في الغلاف الجوي في الارتفاع.
من العوامل الأخرى التي تثير قلق الباحثين انخفاض انبعاثات بعض الجسيمات العالقة في الهواء، وخاصة الملوثات المحتوية على الكبريت. تعكس هذه الجسيمات جزءًا من إشعاع الشمس إلى الفضاء، مما يوفر تبريدًا جزئيًا ومؤقتًا. يُعدّ الحدّ من تلوث الهواء ضروريًا للصحة العامة، ولكنه يكشف أيضًا عن بعض الاحترار الذي كان مُخفيًا سابقًا بفعل الجسيمات الملوثة. لذلك، يدرس الباحثون حاليًا مدى تأثير انخفاض الجسيمات العالقة في الهواء، والتغيرات في السحب، وحساسية المناخ على تسارع توازن الطاقة.
ظاهرة النينيو على عالم قد ارتفعت حرارته بالفعل
إلى جانب اتجاه الاحترار طويل الأمد، يمكن أن تؤثر التقلبات الطبيعية، مثل ظاهرة النينيو، على الطقس العالمي. النينيو عبارة عن ارتفاع دوري في درجة حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائية، مما يُغير أنماط هطول الأمطار والحرارة والعواصف حول العالم. من المتوقع أن تتطور ظاهرة النينيو في عام 2026، ويتوقع خبراء الأرصاد الجوية أن تشتد في وقت لاحق من هذا العام.
لكن الفرق الجوهري يكمن في نقطة البداية. فظاهرة النينيو لا تحدث اليوم في مناخ "طبيعي"، بل في عالم شهد ارتفاعًا ملحوظًا في درجة حرارته. لذا، فإن هذا التذبذب الطبيعي يعمل على أساس أكثر دفئًا ورطوبة، مما قد يزيد من خطر موجات الحر والجفاف والفيضانات وموجات الحر البحرية. وتؤكد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن كل حدث من أحداث النينيو يختلف عن سابقه، وأن تأثيره على المناطق لن يكون متماثلًا. وخلاصة الدراسة واضحة: طالما أن الطاقة الداخلة إلى النظام المناخي تفوق الطاقة الخارجة منه، ستستمر الأرض في الاحترار. ويتطلب وقف هذا التراكم خفضًا حادًا ومستدامًا لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، حتى تصل إلى الصفر الصافي. وبدون هذا التغيير، ستستمر الحرارة الزائدة في التراكم، وستصبح الأحداث التي كانت تُعتبر استثنائية في السابق أكثر تواترًا وقوةً وصعوبةً في السيطرة عليها.
مقال علمي: مؤشرات تغير المناخ العالمي 2025: تحديث سنوي للمؤشرات الرئيسية لحالة النظام المناخي وتأثير الإنسان. المجلة: بيانات علوم نظام الأرض، 18، 3889-3933، 2026.
دوى: 10.5194/essd-18-3889-2026
أسئلة وأجوبة مختصرة:
ما هو توازن الطاقة على الأرض؟
هذا هو الفرق بين كمية الطاقة التي تمتصها الأرض من الشمس وكمية الطاقة التي تشعها عائدةً إلى الفضاء. عندما يكون الفرق موجباً، فإن النظام المناخي يكتسب حرارة.
أين تذهب معظم الحرارة الزائدة؟
يمتص المحيط معظمها. لذلك، ترتفع درجة حرارتها وتتمدد، مما يساهم في ارتفاع مستوى سطح البحر وموجات الحر البحرية.
هل تجاوز العالم بالفعل عتبة 1.5 درجة مئوية؟
قد تتجاوز بضع سنوات العتبة، لكن عتبة باريس تشير إلى ارتفاع مطول في درجات الحرارة. ووفقًا للدراسة، إذا استمر الوضع على هذا المنوال، فقد يحدث ارتفاع في درجات الحرارة بمقدار 1.5 درجة مئوية نتيجة النشاط البشري بحلول عام 2030 تقريبًا.
كيف يرتبط ظاهرة النينيو بهذا؟
ظاهرة النينيو هي تذبذب طبيعي في المحيط الهادئ، لكنها تحدث الآن في ظل عالم يشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة. ولذلك، قد تزيد من خطر حدوث ظواهر مناخية متطرفة في بعض المناطق.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:
تعليقات 3
مشكلتنا الحقيقية ليست الأزمة البيئية التي تقترب بسرعة، بل الغباء البشري الذي يمنع المواجهة الضرورية.
لديّ خبرٌ لك، الطبيعة لا تُبالي لا بالرأسمالية ولا بالشيوعية. يشهد كوكب الأرض ارتفاعًا في نسبة ثاني أكسيد الكربون، وهو غازٌ دفيءٌ يمنع الحرارة الشمسية الزائدة من التسرّب، ما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارته. الأمر بهذه البساطة. بالمناسبة، هذه أيضًا فرصةٌ للحديث عن الأيديولوجية الرأسمالية التي تُدمّر كوكب الأرض بإنكارها لأبسط الحقائق العلمية، والنتيجة الرئيسية هي أن 99% من الناس سيقعون في براثن الفقر المدقع. وربما ستكون أنت واحدًا منهم، لأن أباطرة الطاقة لا يُبالون حتى بمن يُخفون عنهم الحقيقة.
لم أرَ حتى الآن أيّ رسوم بيانية حقيقية في المقال تتضمن حقائق ملموسة عن تغييرات حقيقية ومثبتة. يبدو أن الناس يُرهبون باسم أيديولوجية شيوعية جديدة تقدمية.